كما أثرت في القرى والزراعة والطرق والجباية واستقرار السكان، فلم يكن الوباء حادثا صحيا منفصلا عن التاريخ العسكري، بل أعاد تشكيل ميزان القوة في الشام.
ولا يصح وصف تعامل المسلمين مع الوباء بمفهوم الحجر الصحي الحديث دون تحفظ؛ فالمصادر تتحدث عن عدم الدخول إلى أرض الطاعون وعدم الخروج منها، وعن نقل الناس إلى المرتفعات والابتعاد عن مواضع المرض، وهي إجراءات تشبه في أثرها العزل أو تقييد الحركة، لكنها صدرت في إطار مفاهيم دينية وطبية مختلفة. كما أن دراسة الأوبئة في التاريخ الإسلامي تشير إلى تكرر الطاعون بعد موجة جستنيان وتأثيره في السكان خلال العصر الأموي، لكنها لا تثبت على وجه القطع أن وباء عمواس كان استمرارا محددا لذلك الوباء بعينه.
توفي أبو عبيدة بن الجراح في الوباء، وتوفي معاذ بن جبل وشرحبيل ويزيد بن أبي سفيان وغيرهم، وتفصل الروايات بين خبر مرض أبي عبيدة وخبر تولي معاذ، فلا يلزم من ذكر استخلاف معاذ أن تكون ألفاظ الاستخلاف أو صورته ثابتة في كل طريق. وتذكر بعض الأخبار أن معاذا تولى أمر الناس بعد أبي عبيدة، ثم مات معاذ، وقيل إن عمرو بن العاص تولى بعده، بينما تذكر روايات أخرى انتقال الأمر إلى يزيد ثم إلى معاو ية، ولذلك يذكر السرد هذه الأسماء في سياق التعاقب الإداري لا في صورة قائمة واحدة قطعية.
وكانت وفاة القادة في وقت متقارب ذات أثر مباشر في الجيش؛ فقد فقدت الشام رجالا جمعوا بين الخبرة العسكر ية والعلم والقدرة على التفاوض مع المدن، واضطرت الخلافة إلى إعادة توز يع الجند والولايات والثغور، ولم يكن تعيين قائد جديد مجرد ملء منصب شاغر،