معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 63 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 63

وتكشف هذه المشاورة عن تداخل النص الديني مع القرار السياسي والعسكري؛ فلم يكن السؤال نظريا فقط، بل تعلق بتحرك خليفة وجيش وولاة في إقليم مفتوح، وباحتمال أن يؤدي الدخول إلى نقل المرض إلى المدينة أو أن يؤدي البقاء إلى استنزاف الجند. وتروي الأخبار أن عمر حاول استدعاء أبا عبيدة إلى المدينة برسالة صيغت على أنها حاجة إلى مشاورته، ففهم أبو عبيدة أن المقصود إنقاذه من الوباء، واعتذر عن مفارقة الجند، مؤكدا أنه واحد من جنود المسلمين، ثم أمره عمر بنقل الناس من الأراضي المنخفضة إلى مواضع أعلى، غير أن أبا عبيدة مرض قبل إتمام ذلك.

وتتابع الروايات وفاة أبي عبيدة، ثم شرحبيل بن حسنة، ومعاذ بن جبل، ويزيد بن أبي سفيان، وغيرهم من القادة والجنود، وتختلف في ترتيب الوفيات وفيمن تولى أمر الناس بعد كل وفاة، فذكرت أخبار تعيين معاذ ثم انتقال الأمر إلى يزيد أو عمرو بن العاص، بينما تحتاج كل رواية إلى نسبتها وعدم جمعها في تسلسل واحد قطعي. وقبل وفاته نسبت المصادر إلى أبي عبيدة كلمة في تذكير الناس بالموت والعمل والطاعة، ولا يثبت كل لفظ من ألفاظ الخطب المنقولة، وإن كان أصل وفاته في الوباء ومكانته بين الجند حاضرا في الروايات.

واختلفت الأخبار في عدد من ماتوا، فذكرت نحو خمسة وعشرين ألفا أو ثلاثين ألفا، وهي أرقام لا يجوز تثبيتها من غير نسبة، كما أن امتداد المرض إلى جميع الشام أو العراق ومصر يرد في بعض المصادر بدرجات مختلفة من التفصيل. والثابت أن الخسائر كانت كبيرة، وأنها أضعفت الجند وأفرغت مناصب القيادة وأجبرت الخلافة على إعادة توز يع الولايات والثغور،