قرابة تسعين عاما، وانتقلت البيعة والكتب والمال إلى الخليفة الجديد. ومع ذلك بقيت دمشق مدينة مهمة، ولم تفقد دورها الاجتماعي والديني والاقتصادي في يوم واحد، كما لم تنتقل كل وظائفها إلى العراق بمجرد دخول الجيش.
وكان الحصار أو الانتظار أمام دمشق موضع اختلاف في المدة، فبعض الأخبار يقصره وبعضها يطيله، كما تختلف في بدايته وفي اليوم الذي فتحت فيه الأبواب، ويذكر بعض المؤرخين فتحها في رمضان سنة 132ه، غير أن اختلاف الحساب والرواية يمنع الجزم بكل يوم دون مقارنة. والثابت أن الجيش العباسي لم يدخلها قبل أن ينكسر مركز الدفاع الأموي، وأن الدخول كان نهاية مرحلة من التفاوض والضغط والقتال.
وكانت الأسوار والأبواب جزءا من المشهد، فإغلاقها يمنح الجند وقتا ويمنع الاقتحام السهل، كما أن وجود أنصار للعباسيين داخل المدينة أو قربها يمكن أن يغير ميزان الدخول، وتذكر الروايات فتح بعض الأبواب أو خروج جماعة أو تفاوض أهلها، غير أن التفاصيل لا تتفق. ولذلك تعرض بصيغة الرواية المنسوبة، ولا يقال إن المدينة فتحت عنوة أو سلمت صلحا بلا بيان اختلاف المصادر.
وكان الجند الشامي بعد الزاب في وضع مضطرب، لأن كثيرا من الرجال فقدوا قادتهم أو أقاربهم، كما أن العطاء والتموين والبيعة صاروا موضع شك، فكان الاستمرار في القتال يحتاج إلى قيادة ومال لم يعودا متوافرين. وقد يكون بعض الجند رأى أن التسليم يحفظ حياته وماله، بينما اختار آخرون المقاومة دفاعا عن الدولة أو عن القبيلة أو خوفا من انتقام المنتصر.