معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 619 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 619

الذي أوصله إلى مركز الدعوة. ويثبت أن اختياره لم يكن وليد لحظة واحدة، بل جاء بعد ملاحظة كفاءته وقدرته على حفظ السر وفهم التوازنات بين القبائل والدعاة.

وكان وجود دعاة أقدم من أبي مسلم يجعل اختياره قائدا يحتاج إلى تفسير، فبعض النقباء كان أسبق اتصالا بخراسان، وبعض القادةكان أوسع معرفة بالقبائل العربية، غير أن أبا مسلم جمع بين الحضور الهاشمي والقدرة على الحركة والمرونة في التعامل مع اليمنية والأزد والموالي، كما لم يكن مرتبطا بزعيم قبلي واحد. ولذلك تمكن من بناء قيادة تتجاوز الداعية المنفرد إلى إدارة عسكر ية وسياسية.

وكان إبراهيم الإمام يرسل أبا مسلم إلى خراسان بعدما نضجت الدعوة، فأصبح عليه أن يستلم شبكة متفرقة من الدعاة وأن يختبر ولاء القادة وأن يختار مرو مركزا للحركة، كما كان عليه أن يوازن بين رجال الدعوة السابقين وبين رجال القبائل الذين يملكون السلاح والمال. وتختلف الأخبار في نص الوصية وفي ألفاظها، غير أن المعنى العام يدل على تكليفه بجمع الأنصار واستمالة قوى يمنية وعدم السماح للخلاف الداخلي بإفشال الثورة.

وكان وصول أبي مسلم إلى خراسان انتقالا من العمل السري إلى القيادة الميدانية، فبدأ بمراسلة الأنصار ومراقبة خصومهم، ثم دخل مرو أو أقام في محيطها بحسب ترتيب الروايات، وجعل من المدينة مركزا يجمع الدعاة والمال والسلاح. ولم يكن مرو مجرد مكان لإعلان الراية، بل كان مركز الديوان والوالي والسوق والطرق، ومن يسيطر عليه يستطيع التأثير في مدن خراسان وقراها.