معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 61 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 61

ثم اتجهت العمليات شمالا إلى قنسرين، وهي تشالسيس القديمة الواقعة جنوب حلب بنحو خمسة وعشرين كيلومترا، في موضع يربط حلب بحماة وحمص ودمشق من جهة، وأنطاكية والفرات من جهة أخرى. وكانت في العصر البيزنطي مركزا عسكريا على الطريق إلى الجبهة الشرقية، ولذلك اكتسب فتحها أهمية تتجاوز مساحتها، إذ أدى إلى كشف الطريق نحو حلب وأنطاكية والجزيرة، وإلى إضعاف شبكة الحاميات التي كانت تحمي الداخل الشامي من جهة الفرات.

وتختلف الروايات في صورة فتح قنسرين وفي مقدار دور خالد بن الوليد وأبي عبيدة، كما تختلف في هل عقدت الحامية اتفاقا يسمح بإخلاء السكان والقوات، أو وقع القتال ثم استقر الصلح، ولذلك يثبت السرد سقوط المركز في سياق التقدم الإسلامي شمالا دون تثبيت مشهد واحد لا تتفق عليه المصادر. كما ينبغي التمييز بين قنسرين القديمة والحضير، فقد بينت البحوث الأثر ية أن الحضير كان تجمعا أو ضاحية عربية خارج المدينة، وأن تحوله إلى مركز إداري وعسكري لجند قنسرين جرى في مراحل لاحقة، فلا يصح إسقاط التنظيم الإداري الأموي على اللحظة الأولى للفتح.

ولم تكن السيطرة على حمص وقنسرين نهاية العمل، إذ احتاجت الدولة إلى تعيين الولاة، وضبط الطرق، وتنظيم العلاقة مع السكان والكنائس والأراضي الزراعية، وتثبيت الجند في مواضع قادرة على مراقبة الطريق إلى الشمال. وتظهر دراسة قنسرين الأثر ية أن المدينة استمرت في التطور من مركز بيزنطي إلى مركز من مراكز الجند، وأن التحول العمراني لم