معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 605 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 605

وكان العراق يحمل آثار الفتنة القديمة، من خصومة القبائل والولاة إلى الحركات العلو ية والخوارج، كما كانت الكوفة والبصرة تملكان تقاليد سياسية تجعل البيعة قابلة للتغير، وتحتاجان إلى وال قوي وإلى مال يوزع على الجند والأعيان. ولذلك لم يستطع مروان أن يكتفي بإرسال مرسوم، بل احتاج إلى قادة يضمنون المدن والطرق ويمنعون انتقال التمرد إلى خراسان.

وكانت خراسان أبعد أقاليم الدولة وأكثرها أهمية في المرحلة الأخيرة، لأن فيها جندا وقبائل عربية ومدنا إيرانية وموالي وسكانا محليين، كما تتصل بطرق الصين وما وراء النهر، وكان الوالي فيها يملك مجالا واسعا للمناورة. وقد زاد التنافس بين القيسية واليمنية، وبين العرب والموالي، وبين الولاة والقادة، من ضعف الإدارة، غير أن هذه العوامل لم تكن متطابقة في كل مدينة أو قبيلة.

وكانت الدعوة العباسية قد استفادت من وجود هاشمي يملك قرابة نسبية من النبي صلى الله عليه وسلم، ومن الغموض الذي أحاط باسم الإمام الذي تدعو إليه في مراحلها الأولى، كما استفادت من التنافس العلوي والعباسي ومن غضب فئات من بني أمية أو من ولاتهم، ولم تكن الدعوة في أول أمرها معلنة باسم أبي العباس في كل موضع. ولذلك يفرق بين الدعوة السر ية والشعار الهاشمي العام وبين الدولة العباسية التي ظهرت بعد الانتصار.

وكان أبو مسلم الخراساني من أبرز رجال الدعوة في خراسان، فجمع الأنصار وأدار الاتصال بين القرى والمدن والقبائل، واستفاد من الرايات السود ومن خطاب نصرة أهل البيت أو الهاشميين بحسب اختلاف الأخبار، كما بنى قوة عسكر ية وإدار ية جعلته قائدا لا مجرد