معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 6 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 6

ظاهرة، وقد اختلفت العبارات المنقولة عنه في بعض المصادر، إلا أن أصل الموقف يدل على صدمة شديدة جعلته لا يستوعب الخبر في اللحظات الأولى، فكان موقف أبي بكر انتقالا من الانفعال إلى تثبيت الجماعة، إذ ذكر الناس بأن محمدا رسول الله قد مضت عليه سنة الموت، وأن العبادة لله الحي الذي لا يموت، واستشهد بالآية التي تذكر المؤمنين بأن الرسل بشر وأن موتهم لا يرد الرسالة ولا يبطل الدين.

فكان أثر خطبته عقديا ونفسيا وسياسيا في آن واحد، مع أن أصل الرواية الحديثية يثبت تلاوته الآية وتلقي الناس لها، أما الصيغ المطولة التي تضاف إلى الخطبة والنتائج السياسية المنسوبة إليها فتحتاج إلى نسبةكل عبارة إلى مصدرها، ولا يجوز جمعها في نص واحد قطعي لمجرد شيوعها في كتب الوعظ والسير.

لم تكن المدينة بعد هذه الخطبةكتلة واحدة متفرغة لاتخاذ قرار سياسي واحد، فقد انشغل أهل بيت النبي وأقرب أصحابه بتجهيزه، وكان آخرون في المسجد أو في بيوت المدينة يتلقون الخبر و يحاولون فهم ما يترتب عليه، كما كانت وفود وقبائل كثيرة قد دخلت الإسلام حديثا أو بقيت على صلات مختلفة بالمدينة، وكانت وفاة النبي تحمل احتمال اضطراب ديني وسياسي واسع إذا ظنت القبائل أن رابطة الطاعة انتهت بانتهاء حياته، ولذلك اجتمع في اللحظة نفسها واجبان عظيمان، أحدهما إكرام النبي وتولي غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، والآخر منع الفراغ السياسي من أن يتحول إلى انقسام لا يمكن احتواؤه، ولم يكن ترتيب هذين الواجبين متطابقا في وعي جميع الجماعات، وهو ما يفسر اختلاف مسارات أهل البيت والمهاجرين والأنصار في الساعات التالية. 6 ✦ ✦