معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 5 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 5

في الأيام الأخيرة من حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت المدينة تعيش حالا من الترقب لم تعرفه منذ قيام الجماعة الإسلامية، فقد كان المسلمون يرون مرضه، و يعلمون أن المرض سنة تجري على البشر، غير أن وجوده بينهم لم يكن وجود قائد سياسي يمكن أن يخلفه قائد آخر فحسب، بل كان وجود النبي الذي يتلقى الوحي، و يعلم الناس، و يفصل بينهم، و يقود الجهاد، و يعقد العهود، ويجمع القلوب عند الاختلاف، ولذلك كان اشتداد مرضه إيذانا بانتقال المجتمع كله من زمن القيادة النبوية إلى زمن القيادة البشر ية، مع بقاء الدين والكتاب والسنة، وانقطاع الوحي بوفاته صلى الله عليه وسلم.

وتختلف الروايات في ترتيب بعض وقائع مرضه الأخير ومدته، وفي عدد المرات التي صدر فيها الأمر بإمامة أبي بكر للصلاة، وفي تفاصيل خروجه إلى المسجد حين اشتد به الضعف، غير أن أصل الواقعة ثابت في مصادر حديثية وسير ية متعددة، فقد صلى أبو بكر بالناس في أيام مرض النبي، وكان ذلك حدثا دينيا في ظاهره، ثم أصبح بعد الوفاة حاضرا في النقاش حول القيادة، ففهمه بعض الصحابة بوصفه علامة تفضيل، بينما اقتصر آخرون على دلالته التعبدية المؤقتة، ولهذا ينبغي التفر يق بين الخبر نفسه وبين الاستنتاج السياسي الذي بني عليه في عصور لاحقة، فلا يقال إن الأمر بالصلاةكان نص ا صريحا على الخلافة إلا إذا نسب هذا الفهم إلى قائله ومصدره، ولا يلغى أثر الواقعة في الوعي السياسي الذي تشكل بعد ذلك.

وكان أبو بكر خارج المدينة أو في موضع إقامته المعروف بالسنح بحسب الروايات، فلما انتشر خبر الوفاة عاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل عليه، وكشف عن وجهه وقبله، ثم خرج إلى الناس، بينما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يخاطب من حوله بشدة 5 ✦ ✦