معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 596 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 596

البيعة ثم تتردد، أو تطيع الاسم دون أن ترسل المال والجند، أو تستعمل الأزمة لتوسيع استقلالها المحلي.

وكان مروان بن محمد من أخطر خصوم الترتيب الجديد، لأنه لم يكن أميرا بلا جند، بل قائدا متمرسا في أرمينيا والجزيرة والقوقاز، وله صلة بقبائل وقوات قادرة على التحرك نحو الشام. وتختلف الروايات في هدفه المعلن، فتنسب إليه المطالبة بدم الوليد أو حفظ حق أبنائه أو إعادة النظام، كما تربط حركته بمصلحته في الخلافة، ولا يلغي أحد هذه الدوافع الآخر.

وكانت القبائل القيسية واليمنية تدخل في الأزمة بحسب المواقع والقيادات، فبعض القيسية وجد في مروان سندا، وبعض اليمنية مال إلى يزيد أو إلى خصومه، لكن الانقسام لم يكن قبليا صرفا، لأن البيعة والمال ومصالح المدن والولاة أثرت كذلك. وكان القائد يستطيع أن يجمع رجالا من أكثر من قبيلة إذا ملك المال والهيبة، كما قد تنقسم القبيلة إذا اختلفت قيادتها.

وكانت الأقاليم البعيدة تتأثر بما جرى في دمشق دون أن تتحول كلها إلى ساحات للقتال المباشر، فالعراق يملك صراعاته القديمة، وخراسان تواجه اضطراب القبائل والموالي والولاة، والمغرب لم يتعاف من الثورة البربر ية، والأندلس تراقب ضعف المركز وتنافس الولاة. ولذلك يذكر أثر الفتنة في كل إقليم بحسب ما ثبت، ولا يضغط تاريخ الأقاليم في سيرة يزيد القصيرة.

وكانت ثورة يزيد قد أظهرت أن الخلافة المروانية لم تعد تملك قاعدة انتقال مستقرة، فالخليفة يقتل في قصره، ثم يبايع قريب له، ثم يعارضه قائد من الأسرة، كما أن الجند صاروا عاملا مباشرا في اختيار الخليفة لا مجرد أداة لتنفيذ أمره. ولذلك كانت الحرب الأهلية الثالثة 596 ✦ ✦