المباشر يختلف عن أثرها في الذاكرة اللاحقة، ولا يجوز أن ينسب نشوء كيان إقليمي بعد قرن مباشرة إلى حركة واحدة في عهد هشام.
وكانت كتب الفرق تصف الخوارج بحسب موقع مؤلفيها، فتجمع جماعات متباعدة تحت اسم واحد أو تركز على مسائل التكفير والإمامة، بينما تقدم كتب التاريخ أخبار القتال والولاة، وتقدم المصادر الإباضية روايات تحفظ ذاكرة الجماعة وتفسيرها لأصلها. ولذلك تقارن المصادر ولا تجعل رواية الخصم أو الجماعة وحدها معيارا نهائيا، كما تذكر أن بعض الأخبار مركب من أحداث متعددة.
وكانت الجبهة الخوارجية في عهد هشام مختلفة عن ثورة زيد بن علي وعن الثورة البربر ية وعن الدعوة العباسية، فلكل حركة زمن وقيادة وشعار وشبكة اجتماعية ونتيجة، وإن تداخلت في بعض الأقاليم أو استفادت من ضعف الدولة. ولذلك لا يجمع السرد هذه الأحداث في عنوان واحد، بل ينتقل من حركة إلى أخرى بعد إغلاق سياقها، مع بيان الصلة التي ثبتت دون اختلاق انتقال مباشر.
وكان استمرار الخوارج خلال عهد هشام يكشف أن القوة العسكر ية لم تحسم سؤال الشرعية، كما أن إصلاح الخراج أو تغيير الوالي لا يكفي إذا بقيت دعوى الإمامة أو ذاكرة القمع أو التمييز، غير أن الخوارج أنفسهم لم يكونوا على رأي واحد، فبعضهم قبل الهدنة وبعضهم رأى القتال واجبا دائما. وبذلك ظلت الدولة تواجه حركة دينية وسياسية واجتماعية في آن