واحدا، بل سلسلة من محاولات اختراق وإعادة تنظيم، وأن قوة الجيش الإسلامي استفادت من سرعة الحركة ومن معرفة مواضع الانسحاب أكثر مما استفادت من كثرة العدد.
وفي المرحلة الأخيرة انكشفت خطوط الجيش البيزنطي، وتراجعت وحداته نحو الممرات والأودية، ثم تحولت العودة إلى اضطراب واسع، فقتل بعض الجنود في الميدان، وسقط آخرون في المنحدرات أو تعذر عليهم عبور الممرات، بينما تمكنت مجموعات من الانسحاب. وتبالغ روايات في عدد القتلى وتحدد أسماء ومشاهد لا تسندها كل المصادر، كما تختلف في مصير فاهان وغيره من القادة، ولذلك يثبت السرد انكسار الجيش البيزنطي وفقدانه القدرة على إعادة احتلال الشام، ولا يثبت رواية واحدة في تفاصيل المطاردة ومصير كل قائد.
وكانت نتيجة اليرموك أوسع من نتيجة معركة موضعية، فقد تراجعت قدرة الإمبراطور ية على الدفاع عن معظم الشام، واضطرت إلى التركيز على الأناضول ومصر، بينما عاد المسلمون إلى المدن التي انسحبوا منها واستكملوا فتح ما بقي من المراكز الكبرى. ولم تكن اليرموك وحدها التي أنشأت هذا التحول، إذ سبقتها أجنادين ودمشق وفحل وسلسلة من الحصارات والصلوح، لكنها جعلت العودة البيزنطية إلى معظم الشام أصعب بكثير، وربطت الفتح العسكري بإعادة تنظيم المدن والولايات وبداية مرحلة جديدة من العلاقة بين الدولة الإسلامية وسكان الإقليم.
وفي هذه الجبهة ظهر الفرق بين القيادة الرسمية والقيادة الميدانية، فقد كان أبو عبيدة قائدا عاما بحسب روايات، بينما بقي خالد صاحب خبرة ومبادرة في عدد من الوقائع، ولم يكن انتقال الإمرة بالضرورة إخراجا لخالد من الجيش أو إلغاء ء لدوره في التخطيط والتنفيذ.