معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 481 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 481

وكان تعيين قتيبة بن مسلم واليا على خراسان في عهد الوليد خطوة في إعادة توجيه الجبهة الشرقية من حملات متقطعة إلى مشروع عسكري وإداري متتابع، فارتبط تعيينه بالحجاج وبالوليد وبالحاجة إلى قائد يستطيع جمع الجند وتأمين الطرق والتعامل مع حكام المدن والقبائل. ولم يكن الجيش كتلة عربية خالصة، بل ضم عربا من قبائل متعددة، وموالي، وقوات محلية وحلفاء، كما اختلفت حصة كل فئة بحسب الحملة والمدينة والمرحلة.

وكانت خراسان بوابة إلى توخارستان وما وراء النهر، وكان نهر جيحون حدا جغرافيا وسياسيا لا يمنع العبور لكنه يغير طبيعة الحرب، إذ تحتاج الجيوش إلى الجسور والقوارب والمؤن ومراقبة الضفاف. وكانت المدن والواحات والأنهار والجبال تحدد مسار الحملات، كما كانت مرو وبلخ وطرق خراسان مراكز لجمع الجند والمال، ولذلك لا تروى الفتوحات كتنقل سر يع بين أسماء مدن دون وصف المسالك.

وكانت حملات قتيبة الأولى متصلة بتوخارستان وبلخ والمناطق الواقعة جنوب جيحون، فعمل على تثبيت النفوذ في المدن التي دخلت في الطاعة، وعلى عزل القوى التي تستطيع مهاجمة خراسان أو قطع الطريق، كما استفاد من انقسامات الحكام المحليين ومن طلب بعضهم العون ضد منافسيه. وتختلف الأخبار في أسماء الأمراء وفي ترتيب الصلح والقتال، غير أن التحالفات المحلية كانت عنصرا مستمرا في نجاح الحملات.

وكان عبور جيحون انتقالا إلى بيئة سياسية أخرى، فدخلت الجيوش بلاد الصغد والمدن التي تعتمد على التجارة والزراعة والواحات، وكان لكل مدينة مجلسها وحاكمها وقوتها وتحالفاتها.