معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 470 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 470

ولذلك لا تدرج هنا على أنها من أعمال عبد الملك، بل يمهد لها بذكر استقرار القيروان وتراكم الخبرة والطرق والتحالفات.

وكان الفتح في المغرب مسارا متدرجا، فبدأت الحملات بإنشاء قاعدة ثم تراجعت أو انقطعت، وعادت بعد ذلك مع القادة والولاة، وارتبطت بالحرب مع البيزنطيين وبعقد التحالفات مع القبائل وبإعادة توز يع المال، ولذلك لا يروى كقصة جيش واحد يمضي من مصر إلى الأندلس دون توقف. وكان كل انتقال غربا يعتمد على نجاح المرحلة السابقة في تأمين المدينة والطريق والميناء.

وكانت الروايات العربية المبكرة، ومنها أخبار ابن عبد الحكم والبلاذري والطبري، تروي أسماء القادة والوقائع والعهود، ثم زادت التفاصيل في المصادر اللاحقة مثل ابن عذاري، بينما تقدم المصادر البيزنطية والبحوث الحديثة قرائن مختلفة عن الموانئ والتحالفات والمدن. وتختلف هذه الروايات في الأنساب والأرقام والحوارات، ولذلك لا يثبت الحوار الطو يل إلا إذا تعددت طرقه أو اتصل بسياق تار يخي قوي، ولا يعتمد العدد الكبير لمجرد وروده في خبر متأخر.

وكانت القيروان بعد استعادتها مركزا يتجمع فيه الجند وتتحرك منه السرايا، كما صارت موضعا لتخزين السلاح والمؤن ولإدارة المال والقضاء والرسائل، وتوسعت صلتها بالمناطق المجاورة مع تثبيت الأمن. ولم يكن عمرانها منفصلا عن السياسة، لأن المدينة العسكر ية تعلن وجود الدولة وتمنحها مقرا دائما، كما تتيح مراقبة القبائل والطرق بدل الاعتماد على حملة موسمية.