معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 468 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 468

أو انسحب الجيش. ولا يصح أن يسمى كل اتفاق فتحا دائما، لأن بعض المدن دخلت في طاعة اسمية بينما بقيت الجبال والصحراء خارج السيطرة المباشرة، كما أن الجز ية قد تكون نتيجة هدنة مؤقتة لا نظاما مستقرا.

وكان عبد الملك بعد تثبيت مركز الدولة بحاجة إلى إعادة تنظيم إفر يقية لا إلى إرسال غزوة منفردة فقط، فتولى تعيين الولاة والقادة، وإعادة بناء القيروان وتثبيت الجند، وربط الولاية بمصر ودمشق، ومراقبة المال والطريق البحري والبري. وكانت القيروان قاعدة عسكر ية وإدار ية، تجمع الجند وتخزن المؤن وتستقبل الرسائل وتربط الساحل بالداخل، ولذلك كان استقرارها شرطا لاستمرار أي حملة غربا.

وكانت إعادة البناء تشمل إقامة الحاميات وتنظيم العطاء وتقو ية الطرق ومراقبة الآبار والممرات، لأن الصحراء والمسافات الطويلة كانت تجعل الإمداد جزءا من الحرب نفسها، كما احتاجت السلطة إلى التعامل مع السكان المحليين وإلى معرفة مواطن الماء والمرعى. ولم تكن الخر يطة السياسية ثابتة، فقد تخضع مدينة بينما تبقى القبائل في الجبل أو الصحراء مستقلة، وقد يسيطر الجيش على الطريق دون أن يسيطر على كل ما حوله.

وكان الاتصال بمصر مهما، لأن مصر مصدر للجنود والمال والسفن والطعام، كما كانت برقة حلقة بين مصر وإفر يقية، بينما تصل الأوامر والموارد من دمشق عبر الجهاز الإداري. ولذلك لم تكن ولاية إفر يقية معزولة عن الدولة، غير أن بعدها عن مركز الخلافة جعل الوالي يتمتع بهامش واسع، وجعل نجاحه مرتبطا بقدرته على التفاوض مع الجند والقبائل وأهل المدن.