معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 465 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 465

وكانت أخبار الفتوحات الشرقية تميل إلى تصوير الحملات في صورة سلسلة انتصارات متصلة، بينما تكشف المقارنة أن بعض المدن أعيد فتحها بعد نقض العهد، وأن بعض الملوك دفعوا المال ثم عادوا إلى الاستقلال، وأن الطرق البعيدة حدت من قدرة الدولة على البقاء. ولهذا لا تثبت الأرقام والبلدان إلا إذا دعمتها روايات متقاربة أو نقوش ومسكوكة أو قرائن جغرافية.

وكان صعود قتيبة بن مسلم قد بدأ في أواخر عهد عبد الملك أو في المرحلة التي تلت وفاته بحسب ترتيب التعيين، غير أن فتوحه الكبرى في خراسان وما وراء النهر ارتبطت بتوليه في عهد الوليد بن عبد الملك سنة 86ه705/م، ولذلك لا تنسب حملات بخارى وسمرقند وما وراء النهر إلى عهد عبد الملك من غير تدقيق. وتفصل إنجازات قتيبة التفصيلية في مهام لاحقة، حتى لا تختلط المرحلة التمهيدية بالمرحلة التوسعية الكبرى.

وكانت الحملات التي وقعت في عهد عبد الملك تمهد لاستعادة طرق المشرق وتنظيم ولاية خراسان وتعيين قادة قادرين على التحرك، لكنها لم تنشئ بعد سلطة أمو ية مستقرة على كل ما سيعرف لاحقا بفتوح ما وراء النهر. وظلت القوى المحلية والترك والهياطلة وحكام المدن عوامل مؤثرة، كما ظلت الجبهة قابلة للتبدل بعد وفاة الخليفة وتغير الوالي والموارد.

وبذلك استمرت الحملات الأمو ية في خراسان وسجستان وكابلستان وزابلستان في عهد عبد الملك، فارتبطت بإدارة العراق وبقادة مثل عبيد الله بن أبي بكرة والمهلب ويزيد بن المهلب وبإشراف الحجاج، وتراوحت نتائجها بين الغلبة والصلح والجز ية والرهائن وعودة التمرد،