ولم يكن انتقال القيادة إلى أبي عبيدة إعلانا عن سقوط خالد أو محو أثره من الجبهة، كما لم يكن بقاء خالد في القتال إلغاء ء لقرار الخليفة، بل اجتمع في المرحلة أمران؛ مركز ية القرار السياسي في المدينة، واستمرار الاستفادة من الخبرة الميدانية داخل الجيش. ومن هنا كان القرار جزءا من إعادة بناء علاقة الخليفة بالقادة، إذ لم تعد الجيوش البعيدة تعمل بوصفها تجمعات مستقلة حول أبطالها، بل صارت مرتبطة بسلسلة قيادة تتلقى أمرها من مركز الخلافة، مع بقاء التنفيذ مرهونا بظروف الحصار والمعركة والمسافة بين المدينة والشام.
وبذلك انتقلت الدولة من أبي بكر إلى عمر وهي تحمل نتائج حروب الردة، وبدايات العراق والشام، وجيشا متعدد القيادات، ومجتمعا يحتاج إلى تنظيم المال والفيء، ولم يكن الانتقال مجرد تبدل في اسم الخليفة، بل بداية مرحلة ستفصل فيها الجبهات، وتبنى الأمصار، وترتب العطاءات والدواوين، وتحدد علاقة الدولة بالسكان المفتوحين، وستظهر في عهد عمر معارك أجنادين ودمشق وفحل واليرموك والقادسية والمدائن ومصر، لكن كل معركة ستبقى مرتبطة بسياقها، ولن تتجمع في سرد مختصر يمحو اختلاف الطرق والتواريخ والقيادات.
وفي جبهة الشام استمرت العمليات بعد انتقال الخلافة إلى عمر، وكانت أجنادين من الوقائع التي اختلفت المصادر في تار يخها وموضعها وترتيبها مع مرج الصفر وفحل ودمشق واليرموك. فأما أجنادين فاسم لموضع من نواحي فلسطين، وقد ضبطه الجغرافيون على صور مختلفة، واختلف الباحثون المحدثون في تحديده الدقيق، غير أن الاتجاه الغالب يضعه في جنوب فلسطين، في المجال الذي يربط الساحل الداخلي بمداخل الشام، ولذلك لا يصح تحو يل الموضع المختلف فيه إلى إحداثيات قاطعة قبل اكتمال الأدلة الجغرافية. 46 ✦ ✦