التزامن بين البناء وحصار مكة، ولا تكفي وحدها لتفسير مشروع معقد ذي وظيفة دينية وعمرانية وسياسية. كما أن أداء الحج بقي مرتبطا بمكة في الممارسة الإسلامية، ولم تتحول القدس إلى بديل للحرم المكي، ولذلك تروى القصة بوصفها تفسيرا تار يخيا محل نقاش لا حقيقة قطعية.
وكان الصراع مع ابن الزبير حاضرا في زمن البناء، ومن الطبيعي أن تؤثر المنافسة في لغة الدولة ومشروعاتها، غير أن ذلك لا يثبت أن القبة لم تكن لها وظيفة إلا الرد على ابن الزبير، لأن القدس كانت ذات مكانة سابقة، ولأن العمارة والنقوش والموقع والموارد تشير إلى مشروع أوسع من إجراء دعائي عابر. ولهذا يوازن البحث بين القرائن السياسية وبين الأدلة المعمار ية والنقوشية والوظيفة الدينية.
وكانت القبة جزءا من مشروع أموي أكبر في القدس والحرم، فارتبطت بإظهار حضور الدولة في الشام، وبإنشاء صورة عمرانية إسلامية قادرة على منافسة الرموز الإمبراطور ية، كما ارتبطت بالطرق والز يارات والذاكرة الدينية. ولم يكن البناء إعلانا عن استقلال القدس عن مكة، بل إدخال المدينة في خر يطة العمارة والرموز التي ترعاها الخلافة.
وكانت مواد البناء والعمال والنفقات تحتاج إلى إدارة واسعة، فتدل ضخامة القبة وزخارفها على قدرة مالية وإدار ية وعلى جمع مواد من مناطق مختلفة، غير أن المصادر لا تحفظ تفصيل كل نفقة ولا أسماء كل عامل. وتظهر هنا صلة العمارة بتعريب الإدارة والنقد والجباية،