معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 439 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 439

وتختلف الروايات في أسماء الكتاب الذين تولوا النقل وفي زمن بدء كل إقليم، فتذكر أخبارا عن تعريب ديوان الشام أو العراق أو مصر، وتربط بعضها الأمر بعبد الملك أو بعماله، غير أن الأدلة المادية لا تجعل تاريخا واحدا صال اح لجميع البلاد. ولذلك يذكر أن تعريب الإدارة بدأ وتوسع في العصر المرواني، ثم استمر أثره في عهود لاحقة، دون نسبة كل وثيقة عربية مبكرة إلى قرار واحد أو يوم واحد.

وكان انتقال السجلات إلى العربية يقتضي وضع مصطلحات للجباية والأرض والعطاء والوظائف، وتوحيد صيغ الرسائل والأختام والتواريخ والمقادير، كما اقتضى إ يجاد كتاب قادرين على القراءة والحساب ومراجعة السجلات. وأدى ذلك إلى توسيع طبقة إدار ية عربية اللسان أو متعربة، لكنه لم يلغ الفروق بين لغة السلطة ولغات السكان، لأن العربية الإدار ية قد تنتشر في الديوان قبل أن تصبح لغة الحياة اليومية في القرى والأسواق.

وكان لتعريب الدواوين أثر في الجباية، إذ أصبح المركز قادرا على قراءة السجلات بصيغة مشتركة ومقارنة ما يرفعه الوالي بما يرد من الأرض والجند، كما سهلت العربية تعميم الأوامر وربط الحسابات بين الأقاليم. غير أن النجاح الإداري لم يكن مضمونا بمجرد اللغة، لأن فساد العامل أو ضعف الطريق أو اضطراب الجند يمكن أن يعطل الجباية ولو كانت السجلات عربية، ولذلك كان التعريب جزءا من إصلاح أوسع لا بديلا عن الرقابة والولاة والمال.

وكانت الحوافز المالية والسياسية حاضرة في هذه العملية، فتعلم العربية أو العمل في ديوانها قد يفتح للكاتب طريقا إلى الوظيفة والراتب والقرب من السلطة، كما أن إبقاء الموظف