القديم قد يكون أنفع من عزله إذا كان يعرف سجلات الأرض والجباية. وتبين الدراسات أن التعريب نتج عن تفاوض بين السلطة المركز ية والوكالات الكتابية والموظفين، لا عن قرار فوقي منفصل عن القدرة العملية على تنفيذ القرار.
وكان انتشار العربية في المجتمع مسارا آخر متداخلا مع التعريب الإداري، فانتقلت العربية مع الجند والتجارة والقرآن والقضاء والولايات، وظلت اللغات المحلية حية في البيوت والقرى والكنائس والأسواق، كما ظهرت أشكال من التعدد اللغوي في الوثيقة الواحدة أو في العمل الإداري اليومي. ولهذا لا يصح القول إن تعريب الديوان أدى فورا إلى اختفاء اليونانية أو الفارسية أو القبطية، بل أدخل العربية في موقع أعلى داخل جهاز الدولة ثم اتسع أثرها تدر يجيا.
وكانت النقوش والبرديات والوثائق تكشف مراحل هذا الانتقال بصورة أدق من الروايات الأدبية وحدها، إذ يظهر فيها تغير اللغة والصيغة والأختام والمصطلحات والتواريخ، كما تكشف بقاء عناصر قديمة بعد إعلان الإصلاح. وتساعد هذه الأدلة على التمييز بين الرواية التي تصف التعريب إنجازا فرديا لعبد الملك وبين العملية التار يخية التي شارك فيها الولاة والكتاب والجباة والموظفون المحليون.
وكان التعريب متصلا بالهو ية السياسية للدولة، لأن استعمال العربية في سجل المال والجيش والرسالة جعلها لغة السلطة العامة، وربط الإدارة بالقرآن وبالخطبة وبالنقد ذي النقوش العربية، لكنه لم يكن فصلا بسيطا بين عرب ومسلمين من جهة وغير عرب من جهة أخرى،