معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 438 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 438

بعض السجلات المصر ية. ولم يكن هذا التعدد علامة على غياب الدولة، لأن كل إقليم كان يملك نظاما كتابيا يضمن استمرار الجباية وتسجيل الأراضي والعمال والجند.

وكان الكتاب المحليون أصحاب معرفة دقيقة بالأرض والضرائب والأسماء والمكاييل، فاحتاجت إليهم الدولة بعد الفتح، واستمر بعضهم في وظائفه مع تغير السلطة والبيعة، ودخل آخرون في الإسلام أو تعلموا العربية أو عملوا بلغاتهم القديمة إلى جانب العربية. ولذلك لا يساوي التعريب اللغوي إقصاء كل الموظفين غير العرب، لأن الدولة قد تغير لغة الديوان وتبقي على صاحب الخبرة أو تدربه أو تستعين به في الترجمة والحساب.

وكان عبد الملك يعمل على جعل الدولة أكثر اتصالا بالمركز، فارتبط تعريب الدواوين بتعريب المراسلات والسجلات وإمكان مراجعة الولاة والجباة من دمشق، كما ارتبط بإصلاح النقد وبإظهار سلطة عربية إسلامية في الوثائق والأسواق. وتروي الأخبار القرار في صورة مبادرة خليفة يأمر بنقل الدواوين، غير أن الدراسات الحديثة تقارن هذه الرواية بالبرديات والنقوش، وتبين أن التنفيذ لم يقع بالسرعة نفسها في الشام والعراق ومصر.

وكانت عملية التعريب في الشام متصلة بجهاز إداري متأثر باليونانية والبيزنطية، فتطلبت نقل المصطلحات والحسابات والوظائف إلى العربية وتدريب الكتاب على أسلوب جديد، ولم يكن مجرد استبدال كلمات في السجل. كما كانت في العراق مرتبطة بتقاليد فارسية قو ية في الجباية وإدارة الأرض، فاحتاجت إلى نقل المصطلحات وطرائق الحساب، بينما كانت مصر تعتمد على جهاز متنوع تشترك فيه العربية واليونانية والقبطية، فظهر التغيير فيها على مراحل.