وتنقل الأخبار أن عمر صعد المنبر في أول عهده، وأنه لم ير نفسه أهلا لمجلس أبي بكر، فنزل درجة أو ترك موضعه، ثم حمد الله وأثنى عليه، غير أن صيغة الخطبة تختلف اختلافا واضحا بين الرواة. ففي رواية دعا الله أن يلين شدته، و يقو يه في ضعفه، ويسخيه في بخله، وفي أخرى قال إن الله ابتلاه بالناس وابتلاهم به، وإنه لن يتغيب عن أمر من أمورهم، وإن أحسنوا أحسن إليهم وإن أساؤوا أنزل بهم العقوبة، وتذكر رواية ثالثة حثه الناس على قراءة القرآن والعمل به، ومحاسبة النفس قبل الحساب، والاستعداد للعرض على الله.
وتضيف بعض الأخبار إلى الخطبة كلاما في الطاعة، فتقرر أن طاعة المخلوق لا تكون في معصية الله، كما تنقل عنه أنه أنزل نفسه من مال الله منزلة ولي اليتيم؛ فإن استغنى ف عف، وإن افتقر أكل بالمعروف، وهي عبارات تكشف تصورا لمسؤولية الخليفة عن المال العام، لكنها لا تجعل الخطبة نص ا واحدا متصلا؛ إذ قد تكون هذه المقاطع من خطب مختلفة، أو تكون حفظا لأجزاء متفرقة من مجلس واحد، ولذلك تروى بصيغة النقل و يفصل مضمونها العام عن دعوى اللفظ الكامل.
وكانت صورة الحاكم التي أعلنها عمر مركبة من القوة والمسؤولية، فلم يقدم الشدة غاية مستقلة، بل ربطها بحماية الحق ومنع التعدي، وربط القوة التي يخشاها الناس بواجب تقويم الولاة والجند ومحاسبة صاحب السلطة، كما جعل الضعيف عزيزا عنده حتى يأخذ له حقه، والقوي ضعيفا حتى يؤخذ منه الحق بحسب الصياغات المنقولة في خطب الخلفاء. ولا يصح إدخال كل مبادئ الإدارة التي ظهرت في سنوات لاحقة في خطبته الأولى، لأن الدواوين والعطاء وتنظيم الولايات والفتوح ستتطور تدر يجيا، وتأتي لكل منها رواياتها ومهامها المستقلة. 43 ✦ ✦