وبذلك تولى عبد الملك بن مروان سنة 65ه بعد وفاة أبيه، وكانت سلطته في بدايتها شديدة الارتباط بالشام، فعمل على إعادة توحيد الدولة عبر الولاة والجند والعطاء والجباية وتعريب الدواوين وإصلاح النقد وإظهار السيادة في النقوش والعمارة، وأقام قبة الصخرة في سياق ديني وسياسي وعمراني متعدد الدوافع، وأبقى الجبهات الخارجية قائمة، بينما ظل الصراع مع ابن الزبير والخوارج والعلو يين مفتوحا إلى أن تأتي ملفاته العسكر ية والسياسية المستقلة.
وكان الحجاج بن يوسف الثقفي قد بدأ حياته في الطائف معلما، ثم انتقل إلى خدمة الدولة، فظهر في جهاز عبد الملك مع ضبط الجند والشرطة، واستفاد من قدرته على الخطابة ومن صلابته في تنفيذ الأوامر. وتختلف الروايات في تفاصيل بداياته وفي ترتيب خدمته لمصعب بن الزبير أو لعبد الملك، غير أن صعوده ارتبط بمرحلة احتاجت فيها الدولة إلى قائد يملك الحزم والقدرة على جمع الجند وتوجيههم.
وكانت حملة الحجاج على ابن الزبير من أهم أسباب انتقاله إلى موقع القيادة العليا، فأرسله عبد الملك إلى الحجاز لإنهاء الدولة الزبير ية، وتختلف الأخبار في مقدار ما فوض إليه وفي نصوص أوامره وفي ترتيب وصوله، كما تختلف في تفاصيل الحصار والقتال، ولذلك تذكر هنا بوصفها سببا في صعوده، وتفرد وقائع حصار مكة ومقتل ابن الزبير لملف مستقل لا يكرر هذا السرد.
وكان عبد الملك يرى في الحجاج قائدا قادرا على تحو يل القوة العسكر ية إلى طاعة سياسية، فبعد انتهاء الحملة أسند إليه ولاية مكة أو المدينة أو الطائف بحسب اختلاف مراحل التعيين،