وبقي عبد الله بن الزبير في مكة بعد مرج راهط، وقد اتسع نفوذه لأن خصوم بني أمية في الحجاز والعراق والشرق وجدوا في بيعته مركزا ينافس دمشق، غير أن الاعتراف به لم يكن متساويا في كل إقليم، فقد كانت بعض المدن تبايعه علنا، وكانت أخرى تتردد أو تخضع لوالي أموي أو تنتظر نتيجة الصراع. ولذلك لا توصف سلطته في هذه المرحلة بأنها إدارة موحدة لكل الأقاليم، بل شبكة نفوذ تتفاوت قوتها بحسب القبائل والجند والولاة.
وكانت مكة تمنح ابن الزبير رمزية دينية وسياسية، فاستقبل فيها الوفود والداخلين في طاعته، وأقام الصلاة أو عين من يقوم بأعمال الحكم بحسب الروايات، كما اتصل بالعراق والحجاز واليمن وببعض أقاليم المشرق. وكانت موارد السلطة تأتي من البيعة المحلية ومن المال والأنصار ومن اتصال الطرق، غير أن الحصار السابق أظهر أن بقاء مكة في يده يحتاج إلى حراسة وإمداد، وأن الاعتراف السياسي لا يساوي دائما قدرة عسكر ية على حماية كل الأطراف.
وكان مروان بعد مرج راهط يعمل على تثبيت دمشق وما حولها، ثم ينظر إلى الأقاليم التي خرجت من الطاعة أو بايعت ابن الزبير، فكانت مراسلاته مع القادة والقبائل وسيلة لجمع البيعة قبل إرسال الجيوش. وتختلف الأخبار في نصوص الرسائل وفي أصحاب المبادرة إليها، كما تختلف في مقدار ما تضمنته من الأمان أو التهديد أو عرض المناصب، ولذلك يثبت أصل التفاوض السياسي دون نقل الرسائل الأدبية الطويلةكأنها نصوص معاصرة محفوظة بحروفها.
وكان ابن الزبير يبعث بدوره إلى القبائل والولاة، ويستند إلى رفض التوريث وإلى حرمة مكة وإلى مظالم ما جرى في عهد يزيد، بينما كان مروان وأنصاره يقدمون استمرار الدولة ومنع