وكانت الشام بعد معاو ية بن يزيد أمام فراغ لا تسمح ظروفه بانتظار طو يل، فبعض القادة رأى أن البيعة ينبغي أن تكون لعبد الله بن الزبير، وبعضهم أراد إبقاء الحكم في بني أمية، بينما حاول آخرون تأجيل القرار حتى تتضح موازين القبائل والجند. ولم تكن دمشق وحدها صاحبة القرار، لأن حمص وفلسطين والأردن والبادية كانت لكل منها صلاتها بالقبائل وقادتها، كما أن خبر مكة والعراق كان يؤثر في تقدير خطر ابن الزبير.
وكان مروان بن الحكم يملك سنا وخبرة سياسية جعلت اسمه مطروحا عند أنصار استمرار الدولة الأمو ية، وقد عرف الإدارة والصراع الداخلي منذ عهد عثمان ومعاو ية، كما كانت له صلات ببني أمية وبقبائل الشام. وتختلف الروايات في صاحب المبادرة إلى ترشيحه، فتجعل بعضها حسان بن مالك أو ابن بهدل أو جماعة من كلب، وتجعل أخرى مروان نفسه أو قادة الشام أصحاب الدور الأول، غير أن النتيجة أن اسمه صار حلا للفراغ السفياني.
وكانت الجابية موضع اجتماع أو سلسلة مشاورات قبلية وسياسية بحسب اختلاف الأخبار، فاجتمع فيها رجال من بني أمية ومن كلب وقضاعة ومن قيس أو ممثلوهم، و بحثوا استمرار الخلافة وترتيب ولاية العهد، وتختلف الروايات في أسماء الحاضرين وفي نصوص الاتفاق وفي ترتيب البنود، ولذلك لا تروى الأخبار المتعارضة في صورة محضر واحد قطعي. وكان المقصود من المشاورات جمع ما يكفي من الشام لحماية الدولة، لا مجرد إعلان شخص دون ضمان قبلي وعسكري.