والتفاوض. ولم يكن كل من في مكة مقاتلا، فقد كان فيها أهل وأطفال وعباد وتجار، ولذلك كان استمرار القصف يضع المجتمع كله تحت ضغط عسكري وسياسي، بينما كان ابن الزبير يرى أن التسليم ينهي معارضته ويمنح يزيد نصرا حاسما.
وكان خبر كربلاء ووقعة الحرة حاضرا في الذاكرة التي شكلت موقف أهل مكة، لأن القتال لم يكن مواجهة محلية فحسب، بل امتدادا لأزمة شرعية بدأت ببيعة يزيد وبمقتل الحسين ثم بإخضاع المدينة. ولذلك كان ابن الزبير يستخدم حرمة مكة ومظالم الحجاز في خطابه، بينما كانت الدولة تبرر الحملة بإعادة الطاعة ومنع الانقسام، فاستمر الصراع بين شرعيتين سياسيتين لا بين جيشين فقط.
ثم وصل خبر وفاة يزيد إلى مكة، وتختلف الروايات في اليوم الذي وصل فيه الخبر وفي مدة تأخره عن دمشق، غير أن وصوله أوقف الحصار، لأن الجيش فقد الخليفة الذي أرسله، ولم يعد القادة يملكون أمرا واضحا باستمرار القتال أو عقد البيعة. وتذكر الأخبار أن الحصين بن نمير فاوض ابن الزبير بعد ذلك أو عرض عليه الخروج معه إلى الشام، كما تختلف في نص العرض وفي جواب ابن الزبير، ثم انسحب الجيش الأموي من مكة.
وكان انسحاب الجيش فرصة لابن الزبير، فأعاد تنظيم المدينة وأصلح ما تضرر من الكعبة أو شرع في إعادة بنائها بحسب الروايات، كما اتسع نفوذه بعد انهيار السلطة المركز ية ووفاة يزيد. وتفصل إعادة بناء الكعبة وتطور حكم ابن الزبير وإعلان الخلافة عن حصار سنة 64ه، لأن كل مرحلة لها ظروفها السياسية والمعمار ية الخاصة.