معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 38 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 38

وكان اختلاف الروايات في القادة والطرق متصلا باختلاف بنية الجيوش نفسها، فلم تكن كل قوة خارجة من المدينة جيشا نظاميا متجانسا بالمعنى اللاحق، بل اجتمعت فيها قبائل ومهاجرون وأنصار ومن ثبتوا في حروب الردة، ثم انضمت إليها جماعات محلية تعرف الأرض وتملك صلات بالقبائل، ولهذا لا تكفي تسمية القائد لفهم حجم القوة أو طبيعة مهمته. و يفصل في السرد بين أمر الخليفة، وبين ما فعله القائد في الميدان، وبين ما نسبته الروايات اللاحقة إلى عبقريته، كما تفصل الخر يطة التوضيحية عن الحكم التار يخي؛ فالخر يطة تبين الاحتمال الجغرافي، ولا تجعل الموضع المختلف فيه ثابتا بمجرد رسمه.

ولم يطل مرض أبي بكر بعد أن بدأت الجيوش تحقق تقدما أوليا في العراق والشام، وتختلف الأخبار في سبب مرضه ومدته وأعراضه، فلا يصح أن و تحول الرواية التي تذكر اغتساله في يوم بارد ثم إصابته بالحمى خمسة عشر يوما إلى تشخيص طبي قطعي، كما لا يصح اعتماد أخبار السم من غير سند ثابت، وإنما يثبت أنه مرض، وأنه عجز مدة عن الخروج إلى الصلاة، وأنه كان يأمر عمر بن الخطاب أن يصلي بالناس، ثم اشتد اهتمامه بمصير الجماعة بعد موته.

لم يكن مرض أبي بكر منفصلا عن وضع الدولة، فقد كانت حروب الردة قد أعادت ربط الجزيرة بالمدينة، وكانت الجيوش تتحرك في العراق والشام، وكان اختلاف القيادة في تلك اللحظة قادرا على إضعاف الجبهة وإعادة التنافس بين القبائل والمراكز، ولذلك رأت الروايات أن أبا بكر أخذ يفكر فيمن يلي الأمر، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يترك عهده السياسي المكتوب لخليفة من بعده بحسب القراءة التي ترويها المصادر السنية، بينما تقرأ مصادر أخرى