معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 37 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 37

إلى تقارب الجيوش وإعادة ترتيب القيادة في الجبهة، وأن نتائج هذا الترتيب امتدت إلى وقائع أجنادين ودمشق واليرموك التي وقعت مراحل منها بعد وفاة أبي بكر.

وتتضح من حركة الجيوش الأولى أهمية الطرق والمياه بقدر أهمية أسماء القادة، فقد كانت الجيوش الخارجة من المدينة إلى الشام تسلك مسالك معروفة عبر وادي القرى وتبوك والبلقاء والجابية، بينما اتصلت طرق العراق بالفرات والحيرة والأنبار وعين التمر، وكانت السيطرة على الماء والمرعى والمعابر شرطا لاستمرار الجيش، لا تفصيلا ثانويا في الرواية. ولذلك كان القائد مسؤولا عن اختيار مواضع النزول، وحماية مؤخرة الجيش، وإبقاء طريق العودة مفتوحا، والاتصال بالقبائل التي تعرف الصحراء، كما أن اختلاف الطرق يفسر اختلاف الأخبار في سرعة الوصول وفي عدد الرجال الذين بلغوا كل جبهة.

أما مسير خالد من العراق إلى الشام، فقد أحاطت به رواية الطريق الصحراوي الذي ينسب إلى رافع بن عمير الطائي أو إلى أدلاء آخرين، وتذكر بعض الأخبار أن الجيش قطع مسافة شاقة في مدة قصيرة، مع تدبير الماء واستعمال مواضع قليلة الموارد، غير أن دراسة حديثة لنشأة هذه القصة تنبه إلى أن بعض أقدم الطبقات لا تذكر المسير الصحراوي بهذه التفاصيل، بل تكتفي بذكر انتقال خالد من العراق إلى الشام، وأن عناصر البطولة والجغرافية الدقيقة تبلورت في روايات لاحقة. كما أن الخرائط الحديثة التي قارنت روايات ابن إسحاق والبلاذري وسيف بن عمر وابن أعثم واليعقوبي تقترح ثلاثة مسارات رئيسية، مع بقاء تحديد سوى وقراقير وقسام ظنيا، ولذلك لا يرسم في النسخة النهائية خط واحد بل تذكر المسارات المحتملة ويشار إلى درجة الثبوت. 37 ✦ ✦