يعني أن تفاصيل البصرة تحتاج إلى ملفها الخاص، لأن واليها وأشرافها وبنيتها القبلية لم يكونوا نسخة من الكوفة، ولأن دعوتها وموقفها العسكري ظهرا في سياقات لاحقة مختلفة.
وكانت مكة موضع وصول الكتب، فكان الحسين يقرأ أو يسمع ما يأتيه من العراق، ويستقبل رسلا أو حجاجا يحملون أخبار الكوفة، كما كانت المدينة المقدسة تسمح بتجمع الناس ونقل الدعوات بعيدا عن رقابة والي الكوفة. ولم تكن كثرة الرسائل تعني أن الطريق إلى العراق آمن أو أن السلطة لا تستطيع قطع الاتصالات، ولذلك بقيت المراسلات معرضة للتأخر والاختلاف في الأخبار، كما بقي الحسين محتاجا إلى اختبار صدق الدعوة قبل اتخاذ قرار السفر.
واختلفت الروايات السنية والشيعية في قيمة هذه المراسلات، فبعضها يراها إعلانا صريحا من أهل الكوفة لنصرة الحسين، وبعضها يبرز تناقض أهلها وسرعة انقلابهم عند الخوف، وبعض الدراسات الحديثة تقرأها بوصفها وثائق ذاكرة سياسية وصلت عبر رواة متأخرين، وتفحص أسماء المرسلين والأرقام وصيغ الخطب في ضوء رواية أبي مخنف وما نقلها الطبري وغيره. ولا يلغي اختلاف التقييم أصل وصول رسائل متعددة ودعوة الحسين إلى القدوم، لكنه يمنع تحو يلها إلى إجماع كوفي ثابت.
وكانت هذه المرحلة تسبق بعثة مسلم بن عقيل، فلم يكن مسلم قد وصل إلى الكوفة ليتحقق من البيعة، ولم تكن قد بدأت بعد شبكة الوكلاء والاجتماعات التي ستتصل باسمه، كما لم يكن عبيد الله بن ز ياد قد تولى الكوفة وبدأ سياسة الاعتقال والتخو يف. ولذلك يقتصر هذا