ولم تكن مواقف رجال الحجاز من ولاية يزيد صورة واحدة، لأن مكانةكل رجل وصلته بأهل البيت وقريش ومكة والمدينة وموقفه من الحرب والبيعة صنعت فرقا بين الامتناع الصامت والاعتراض المعلن، كما أن الأخبار التي جمعت أسماء الحسين وابن الزبير وابن عمر في مشهد واحد لا تعني أنهم اتخذوا القرار نفسه أو قصدوا النتيجة نفسها. وكان معاو ية يطلب اعترافا يطمئن إليه الناس، بينما كان أولئك الرجال ينظرون إلى مستقبل الجماعة من مواقع مختلفة، فبعضهم رأى في توريث الحكم خروجا على ما عرفه المسلمون من اختيار الخلفاء، وبعضهم خاف أن يؤدي الاعتراض إلى فتنة لا تنتهي، وبعضهم جمع بين رفض التعيين والابتعاد عن القتال.
وكان الحسين بن علي يحتل مكانة لا تشبه مكانة غيره، فهو ابن علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله، وحفيد النبي، وصاحب حضور ديني وسياسي في المدينة ومكة والعراق، ولذلك كان موقفه من ولاية يزيد يتجاوز موقف فرد يرفض مرشحا بعينه. وتربط الروايات اعتراضه بفكرة انتقال الخلافة إلى الابن، وبما رآه في ذلك من تحو يل القيادة العامة إلى ملك داخل بيت، كما تنسب إليه كلمات ومواقف في مجالس مختلفة، غير أن ألفاظ هذه الكلمات وتوار يخها ودرجة اتصالها تختلف، فيثبت أصل مكانته واعتراضه العام دون جمع كل خطبة متأخرة في حديث واحد.
ولم يتحول اعتراض الحسين في حياة معاو ية إلى ثورة عامة، إذ ظل وجوده في الحجاز جزءا من التوازن السياسي، وبقيت صلته بأنصاره قائمة دون أن يظهر جيش أو حركة معلنة تسعى إلى انتزاع الحكم في تلك المرحلة. وكان هذا الامتناع عن الثورة لا يساوي الرضا بولاية يزيد، 343 ✦ ✦