وكانت البيعة الخاصة في الشام مقدمة للبيعة الأوسع، ثم سعى معاو ية إلى جعلها أمرا مستقرا قبل أن تتسع المعارضة، لكن الحجاز لم يقدم الاعتراف بالطريقة التي أرادها المركز بحسب الروايات التي تصف امتناع كبار الشخصيات. وبقي العراق مجالا حساسا لأن فيه ذاكرة علي والحسن وشبكات القبائل والخوارج، ولأن قبوله الظاهر لا يمنع بقاء اعتراضات تحت السطح، ولذلك ظل تثبيت الولاية مرتبطا بقوة الوالي وبالمال وبسرعة انتقال الخبر.
ولم يكن الغرض من هذا الملف سرد تولي يزيد أو أحداث كربلاء أو وقعة الحرة أو حصار مكة، لأن تلك الوقائع جاءت بعد وفاة معاو ية وتحتاج إلى دراسة مستقلة من حيث البيعة الجديدة ورسائل الكوفة وخروج الحسين ومقتل الحسين ثم اضطراب المدينة وموقف ابن الزبير. وإنما يقتصر هذا الموضع على مرحلة الإعداد، وعلى انتقال الفكرة من حديث خاص ومشاورات إلى ترشيح وبيعة ومحاولة اعتراف عام.
وبذلك أعد معاو ية لولاية يزيد في حدود سنة 56ه676/م عبر ترشيح ابنه ومخاطبة الولاة والقبائل وطلب البيعة في الشام ثم الاعتراف في الحجاز والعراق، وتذكر الروايات دورا للمغيرة بن شعبة وتحفظا من ز ياد بن أبيه، كما تذكر امتناع الحسين وعبد الله بن الزبير وغيرهما أو اختلافهم في طريقة التعيين، وميل ابن عمر إلى تجنب الفتنة وموقف عبد الرحمن بن أبي بكر الرافض للتوريث في بعض الأخبار. واختلفت المصادر في الخطب والرسائل والضغط والعطاء ودرجات الرضا والإكراه، بينما اتفقت الاتجاهات المختلفة على أن الترتيب أحدث تحولا مهما في نظام انتقال الحكم، وتترك بيعة يزيد بعد وفاة معاو ية وأحداث سنة 60ه لملفاتها الخاصة. 342 ✦ ✦