وتتراجع في مواضع، وكانت الحيرة والأنبار وعين التمر ومناطق الفرات مرتبطة بطرق القوافل وبعلاقات متشابكة بين العرب والفرس وأهل المدن، كما أن مبادرة المثنى بن حارثة سبقت في بعض الروايات الحملة المركز ية.
فكان المثنى يعرف طبيعة المنطقة ويستطيع جمع المقاتلين والتعامل مع القبائل، ثم جاء توجيه أبي بكر ليمنح الحركة إطارا أوسع، وتولى خالد بن الوليد قيادة حملة انتقلت بين مواضع متعددة، وتختلف الروايات في ترتيب كاظمة والولجة وأليس والحيرة والأنبار وعين التمر وفي أسماء القادة الفرس وأعداد الجند، ولذلك لا تتجمع كل الوقائع في عبارة «فتح العراق»، بل تروى كل مرحلة بوصفها توسعا أوليا محدودا تتغير درجة السيطرة فيه بحسب الصلح والقتال.
وكانت الحيرة ذات أهمية خاصة، لأنها مركز حضري ارتبط بالقبائل العربية وبالنفوذ الساساني، ولأن السيطرة عليها فتحت طريقا إلى مناطق الفرات، بينما كانت الأنبار وعين التمر موضعين عسكر يين وتجار يين يحتاجان إلى تأمين مستمر، ولم يكن الصلح مع مدينة يعني زوال القوة الفارسية من الإقليم، بل كان يضع السكان في علاقة جديدة مع المدينة والجيش والخراج، ولذلك اختلفت الأخبار في شروط العهود وفي مقدار ما بقي للزعامات المحلية من نفوذ، كما اختلفت في مقدار مشاركة القبائل العربية المقيمة على أطراف العراق، وقد استفادت الجيوش من معرفة بعض هذه القبائل بالطرق والمياه، لكنها بقيت مرتبطة بقدرة القيادة على حماية خطوطها من الهجمات المعاكسة.