ثم اتجهت المساعي إلى الحجاز والعراق، حيث كانت مكانة قريش وأهل البيت وكبار الصحابة تجعل الاعتراف الرمزي مهما، وحيث يمكن لامتناع شخصيات بارزة أن يمنح المعارضة عنوانا دينيا وسياسيا. وكانت مكة والمدينة تستقبلان الوفود في موسم الحج، فصار الحج مجالا للقاء والتفاوض ونقل الأخبار، كما صارت بيعة أهل الحجاز ذات قيمة تتجاوز عدد سكان الإقليم إلى مكانته في الوعي الإسلامي.
وكان الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير من أبرز من نسب إليهم الامتناع أو المعارضة، وتختلف الروايات في ألفاظ مواقفهما وفي مقدار الضغط الذي واجهه كل منهما وفي ما إذا جرت بيعة خاصة أو بقي الامتناع. وكان عبد الله بن عمر أكثر ميلا إلى تجنب الفتنة والامتناع عن الدخول في صراع مسلح بحسب الروايات التي تذكر موقفه، بينما ارتبط عبد الرحمن بن أبي بكر برفض فكرة توريث الحكم في الأخبار، وتختلف تفاصيل الحوار والتهديد والعطاء والوفود من مصدر إلى آخر.
ولا يصح جمع مواقف هؤلاء في موقف واحد، فامتناع رجل عن البيعة لا يعني أنه أعلن ثورة، ورفضه توريث الحكم لا يعني قبوله بعودة الحرب، كما أن قبول البيعة أو السكوت عنها قد يكون نتيجة تقدير للمصلحة أو خوف من الفتنة أو التزام بمبدأ الطاعة. ولذلك يعرض كل موقف في سياقه، و يفصل بين الاعتراض على أصل التعيين وبين الاعتراض على شخص يزيد وبين الموقف من معاو ية نفسه.