معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 338 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 338

من المصالح والمخاوف، ولأن الروايات التي جعلته صاحب الفكرة قد تكون صيغت لتفسير انتقال الحكم بعد وقوعه.

وكان موقف ز ياد بن أبيه أكثر تحفظا بحسب الأخبار، إذ كان يدرك أن البيعة ليزيد في الشام لا تعني قبول العراق والحجاز، وأن تقديم شاب وليا للعهد قد يثير اعتراض قريش أو أنصار علي أو رجالا يرون في أنفسهم أحقية القيادة. وتختلف الروايات في حديث ز ياد مع معاو ية وفي الكلمات التي نسبت إليه، كما تختلف في زمن موقفه وفي أثره النهائي، لكن أصل الحاجة إلى استشارة رجال العراق والقبائل والولاة يظهر في سياق إعداد البيعة.

وكانت المشاورات لا تجري في مجلس واحد معلوم التفاصيل، بل عبر رسائل ووفود واتصالات بالولاة وزعماء القبائل وأهل النفوذ، لأن البيعة في دولة واسعة تحتاج إلى تثبيت الشام أولا ثم الحصول على اعتراف الأقاليم الأخرى. وكان معاو ية يملك قوة الجيش الشامي وولاء قادة القبائل، كما يملك المال والعطاء وشبكة الولاة، فاستطاع أن يجعل التعيين واقعا سياسيا قبل أن يطلب صيغة البيعة العامة.

وكانت الشام أقرب إلى قبول الترتيب، لأن معاو ية حكمها زمنا طو يلا وبنى فيها جهازا عسكريا وإداريا مرتبطا به، ولأن أهلها لم يعيشوا الانقسام العراقي بالطريقة نفسها. ومع ذلك لا يصح وصف قبول كل الشام بأنه إجماع تفصيلي، لأن البيعة في المصادر تظهر أحيانا في صورة بيعة عامة يقودها الولاة والأشراف والجيش، ولا تكشف عن موقف كل مدينة أو قبيلة أو فرد.