ولم تكن انتفاضات الخوارج محصورة في الكوفة، فقد ظهرت صلات بالبصرة وبالطرق المؤدية إلى المشرق، لأن البصرة كانت مدينة جند وموضع اتصال بفارس وخراسان والبحر، كما كان فيها رجال وقبائل يمكن أن يؤووا الهاربين أو يشاركوا في القتال. ومع ذلك كانت معظم تلك الحركات محدودة وسر يعة، تعتمد على المباغتة والانسحاب، ولا تمتلك إدارة أو موردا ثابتا يمكنها من حكم مدينة كبيرة.
وكانت طرق التجنيد تقوم على القرابة والقبيلة والرفقة السابقة والاقتناع الديني والعداء للسلطة، ولم يكن كل المشاركين من طبقة واحدة أو من قبيلة واحدة. وتختلف الشعارات المنقولة في الخطب والرسائل، كما تختلف في مقدار استعمال عبارات النهروان والتحكيم والبراءة، ولا يثبت أن كل حركة رفعت النصوص نفسها أو اتبعت مذهبا فقهيا متكاملا بالمعنى الذي سيظهر في المدارس اللاحقة.
وكانت العلاقة بين الخوارج والسكان من أسباب صعوبة حركتهم، فبعض الجماعات شدد في التعامل مع من خالفها، وبعضها ركز على قتال السلطة، وبعضها اتخذ من الصحراء والطرق موضعا للقتال دون إدارة مدنية. وتختلف الروايات في أخبار قتل المدنيين أو أخذ الأموال أو حماية السكان، ولا يصح تعميم قصة جماعة متأخرة على ثوار السنوات الأولى من عهد معاو ية.
وكان المغيرة بن شعبة في الكوفة أمام جماعات خارجية صغيرة تستطيع أن تظهر فجأة ثم تختفي، ولذلك اعتمد على الحذر والعيون ومراقبة الخطب والطرقات، كما احتاج إلى معرفة زعماء القبائل ومن يمكنه جمع الرجال. وتربط بعض الأخبار سياسة المغيرة بتجنب حرب