وبذلك بقيت مصر في عهد معاو ية إقليما مركزيا للمال والجند والاتصال، تولى عمرو بن العاص إدارته حتى وفاته المشهورة سنة 43ه، واعتمدت السلطة على الفسطاط مركزا للجند والدواوين وعلى الإسكندر ية مركزا ساحليا وتجاريا وعسكريا، مع إدارة الصعيد والدلتا والقرى بواسطة عمال وموظفين محليين ونظم مالية موروثة ومتطورة. وارتبطت مصر بالنوبة عبر البقط وببرقة وطرابلس عبر الحدود والطرق، واختلفت المصادر في الولاة اللاحقين والخراج والصلاحيات، بينما تترك تفاصيل الحملات الخارجية للملفات العسكر ية المستقلة.
وعلى الجبهة الشمالية لم تكن بلاد الشام تنتهي عند المدن والأجناد، بل امتدت إلى منطقة الثغور التي فصلت بين المجال الإسلامي والبيزنطي، وكانت تضم طرقا جبلية وممرات وحصونا وحاميات وقرى تتحرك فيها الجيوش والسكان. ولذلك كان الثغر منطقة عسكر ية واجتماعية واقتصادية، لا نقطة على الخر يطة، إذ يحتاج إلى جند ومرابطين ومؤن وطرق اتصال، كما يتأثر بالهدن والغارات وحركة السكان.
وكانت الثغور الشامية مرتبطة بمدن الداخل، فتمد دمشق وحمص وقنسرين الحملات بالرجال والدواب والسلاح، وتستقبل الأخبار من الحصون والمرابطين، بينما كانت الطرق الشمالية تمر عبر ممرات تتغير قيمتها بحسب السيطرة والتحصين. وتختلف المصادر في أسماء المواضع وفي تاريخ إنشاء بعض المراكز، كما تختلف في نسبة تنظيم متأخر إلى عهد معاو ية، ولذلك يحدد السرد كل خبر بزمانه ولا يثبت خر يطة واحدة لكل العقود.