وعاد عمرو بن العاص إلى ولاية مصر في سياق الصراع بين علي ومعاو ية، وتختلف الروايات في ترتيب المفاوضات والوعود والاتفاقات التي سبقت عودته وفي حدود استقلاله عن دمشق. وكان عمرو صاحب خبرة سابقة في فتح مصر وإدارتها، وعرف الفسطاط والإسكندر ية والطرق والقرى، كما عرف قادة الجند ومصادر المال، ولذلك كان تعيينه وسيلة للاستفادة من رجل يجمع الخبرة العسكر ية والإدار ية والسياسية.
وكانت ولاية عمرو مرتبطة بمسؤوليته عن الدفاع والجند والقضاء وجمع المال، لكن مقدار صلاحياته في الخراج وما كان يرفع إلى معاو ية يختلف في الروايات. وتعرض بعض الأخبار العلاقة بينهما بوصفها تعاونا بين الخليفة والوالي، بينما تبرز أخبار أخرى خلافا حول المال أو حول حدود ما يحق لمصر الاحتفاظ به لعطاء الجند، ولا يصح تحو يل كل رواية أدبية إلى لائحة مالية ثابتة دون قرائن.
وكانت الفسطاط مركز الجند والإدارة، وفيها المسجد الجامع ومساكن القبائل ومواضع الدواوين والمال، واستمر موقعها بوصفها عاصمة إقليمية حتى مع أهمية الإسكندر ية. ولم تكن الفسطاط مدينة عسكر ية خالصة، لأن الأسواق والعمال والكتبة والسكان المحليين ارتبطوا بها، كما لم تكن إدارتها منفصلة عن القرى التي تمدها بالغلال والضرائب والرجال.
أما الإسكندر ية فكانت مركزا ساحليا وتجاريا وعسكريا، وموقعا يحتاج إلى حامية ومراقبة بسبب صلته بالبحر وبالبيزنطيين، ولذلك بقيت علاقتها بالفسطاط علاقة تكامل وتنافس في الوظائف. وكانت السلطة تضع في الإسكندر ية رجالا وجندا يحفظون الميناء والأسوار