معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 309 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 309

هذا الملف بين تنظيم العراق الداخلي وبين تفاصيل إعادة الفتح أو التوسع شرقا، التي تحتاج إلى سرد عسكري مستقل عن الجباية والقبائل.

وكانت الخوارج من أبرز التحديات الأمنية، إذ نشطت جماعات صغيرة متحركة تستطيع استغلال الطرق والصحارى والانقسام القبلي، كما بقي أنصار علي في الكوفة والبصرة يعبرون عن ولائهم أو نقدهم بطرق مختلفة. ولم تكن كل معارضة تحمل السلاح، فقد تظهر في خطبة أو امتناع عن البيعة أو حماية رجل أو رفض سب علي أو الاحتفاظ بشبكة من الأنصار، ولذلك استخدمت الإدارة وسائل متعددة بين المراقبة والعفو والعطاء والعقوبة.

وتظهر قضية حجر بن عدي وأصحابه في سياق التوتر بين سلطة الولاة وأنصار علي، لكن تفاصيلها الكاملة تحتاج إلى ملف مستقل، لأن الأخبار تختلف في سبب الاتهام وفي دور المغيرة وز ياد وفي كتاب الوالي إلى معاو ية وفي عدد الرجال ومواقف الصحابة. ويثبت في هذا الموضع أن القضية كشفت حدود التسامح السياسي في الكوفة، وأن سياسة ز ياد في ضبط المدينة نقلت المعارضة من مجال الجدل المحلي إلى مجال الملاحقة المركز ية.

وكان انتقال إدارة الكوفة من المغيرة إلى ز ياد جزءا من تحول في أسلوب الحكم؛ فالمغيرة ارتبط في الأخبار بسياسة تهدئة وموازنة، بينما ارتبط ز ياد بإدارة أكثر تنظيما وشدة ومراقبة، ولا يعني ذلك أن أحدهما كان لينا مطلقا أو أن الآخر لم يستخدم المساومة، بل يدل على اختلاف الأولو يات في مرحلة انتقلت فيها الدولة من تثبيت أولي إلى إحكام السيطرة.