وكان العراق بعد انتقال الحكم إلى معاو ية إقليما لا يشبه الشام في درجة التماسك، لأن الكوفة والبصرةكانتا مدينتي جند نشأتا في سياق الفتوحات، ثم صارتا مركزين للسياسة والمعارضة بعد أن اتخذهما علي مقرا لحكمه. وكانت فيهما جماعات تحمل ولاء ء لأهل البيت أو ذكرى لقيادة علي، وخوارج يرفضون السلطة، وقبائل وقادة لهم مصالح في العطاء والأرض والقيادة، ولذلك لم يكن الاعتراف بالصلح مساويا لزوال أسباب التوتر.
واحتاج معاو ية إلى تعيين وال على الكوفة يستطيع أن يتعامل مع مجتمعها المركب، فاختار المغيرة بن شعبة، وتذكر الروايات أن المغيرة تولى الكوفة في بداية عهد معاو ية أو بعد انتقال السلطة بقليل، وتختلف في تاريخ التعيين ومدته وفي مقدار سلطته. وكان المغيرة صاحب خبرة في الإدارة والحرب والمفاوضة، كما عرف العراق من عهود سابقة، فكانت مهمته حفظ الهدوء ومنع تحول الاعتراضات المتفرقة إلى حركة عسكر ية واسعة.
ولم يكن أسلوب المغيرة قائما على القوة وحدها بحسب الروايات، بل تذكر الأخبار أنه كان يوازن بين التساهل في بعض مظاهر الخصومة وبين حماية السلطة ومنع الخروج المسلح، وأنه كان يدير القادة والقبائل بالخبرة والمساومة. وتختلف هذه الصورة بين رواية تمدح الحلم والسياسة، ورواية ترى أن ترك بعض الخطب أو المواقف من غير عقوبة كان جزءا من حساب سياسي، ولذلك لا يوصف عهده بعبارة واحدة.
وكانت الكوفة تحتاج إلى ضبط العطاء والجباية والطرق والجند، كما احتاج الوالي إلى معرفة زعماء القبائل والقراء وأصحاب النفوذ، لأن اجتماع عدد قليل من القادة قد يؤثر في أحياء