وكان أبو بكر يرسل القائد إلى جهة محددة، و يوصيه بدعوة من يمر بهم من المسلمين إلى الاجتماع، وبالتثبت من حال القبائل قبل القتال بحسب الروايات، ثم يطلب إعادة الطاعة والجباية وإقامة العمال، فكانت الحملة تجمع بين الرسالة والإنذار والتحالف والقتال، وتختلف غايتها المباشرة بحسب حال الإقليم. وتظهر في هذه الخطة مركز ية المدينة من جهة، واعتمادها على الزعامات المحلية والمسلمين المقيمين في الأقاليم من جهة أخرى، كما يظهر أن جمع القبائل تحت راية واحدة كان جزءا من إعادة بناء الدولة لا نتيجة عسكر ية تلقائية.
وبعد انتصارات الجبهات الكبرى أخذت قبائل الجزيرة تعود إلى الطاعة بدرجات مختلفة، فكانت الخلافة تعيد العمال وتستقبل الوفود وتفرض الزكاة، وتقرر العفو أو العقوبة بحسب حال كل جماعة، ولم يكن إخضاع القبائل مجرد انتصار عسكري، لأن بقاء السلطة يحتاج إلى إعادة توز يع المال، وضبط طرق القوافل، وإرسال القضاة والعمال، وإعادة تعر يف العلاقة بين المركز والقبيلة، كما أن بعض من قاتلوا في الردة عادوا إلى الإسلام وشاركوا في الفتوحات بعد ذلك، فكان المجتمع نفسه ينتقل من الحرب الأهلية إلى تعبئة خارج الجزيرة، وتداخلت في هذا التحول اعتبارات العقيدة والاقتصاد والقبيلة والأمن.
وأما طليحة فلم تنته قصته بانهيار جمعه في بزاخة، إذ تذكر الروايات أنه فر إلى الشام، ثم عاد إلى الإسلام بعد ذلك، وتختلف الأخبار في زمن الرجوع وفي مجلسه مع عمر بن الخطاب، كما تختلف في مقدار ما قيل له عند عودته، ولذلك يثبت أصل رجوعه كما ترو يه كتب التراجم والأخبار، ولا تبنى عليه حوارات مطولة لا تثبت من طريق مستقل. ثم تنسب إليه روايات لاحقة مشاركة في القادسية وجلولاء ونهاوند، وتذكر بعضها أنه قتل في نهاوند سنة 30 ✦ ✦