معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 271 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 271

أما الحجاز فكان وضعه مختلفا؛ إذ بقيت المدينة ومكة مركزين دينيين، لكنهما لم تكونا قادرتين على توفير جيش كبير يرد الغارات أو يفرض الطاعة على الشام والعراق. وكان ضعف الحضور العسكري لعلي في الحجاز نتيجة انتقال مقر الحكم إلى الكوفة واستنزاف الجند، كما أن أهل المدينة ومكة لم يكونوا جميعا على موقف واحد من علي أو معاو ية، وتختلف الأخبار فيمن تولى الإدارة ومن أقام ومن خرج.

وفي هذا السياق أرسل معاو ية بسر بن أبي أرطاة في حملة على الحجاز واليمن، وتؤرخها بعض المصادر بسنة أربعين للهجرة تقريبا، وتذكر أن قوامها نحو ثلاثة آلاف، بينما تختلف الروايات في العدد وفي الطريق وفي مقدار ما جرى من القتال. وتحرك بسر من جهة الشام نحو المدينة، ثم توجه إلى مكة واليمن، وكان هدف الحملة إظهار قدرة معاو ية على الوصول إلى أقاليم بعيدة عن مركزه وانتزاع البيعة أو إخضاع الولاة المتصلين بعلي.

وكانت المدينة في بعض الأخبار تحت ولاية أبي أيوب الأنصاري، فتذكر أنه غادرها عند اقتراب الحملة أو لم يستطع تثبيت المقاومة، بينما تعرض روايات أخرى تفاصيل مختلفة في الوالي وفي زمن خروجه. ودخل بسر المدينة أو أخضعها بحسب اختلاف التعبير، وتذكر الأخبار أنه طلب البيعة لمعاو ية، ولا يعني ذلك انتقال إدارة دائمة مستقرة، لأن الغارة السر يعة قد تفرض طاعة مؤقتة ثم تترك الإقليم عند رحيل القوة.

وتختلف الروايات في موقف أهل المدينة من بسر، وفي مقدار المقاومة وفي أسماء من واجهوه، كما تختلف في قصص القتل والتهديد والبيعة. وتورد بعض الأخبار تفاصيل شديدة القسوة