اختلاف المدونات سقوط أصل الضغط على العراق، لكنه يقتضي فصل ما يتقارب في المصادر عن التفاصيل التي تظهر في طريق واحد أو في رواية مذهبية متأخرة.
وكانت الغارات تحمل رسالة سياسية إلى أهل العراق وإلى الولايات الأخرى؛ فمعاو ية يريد أن يقول إن الشام قادرة على الوصول إلى داخل مجال علي، وإن عدم البيعة لا يمنعها من ممارسة القوة، بينما كان علي يريد إثبات أن الحكم لا يزال قادرا على الرد وأن الغارة لا تعني انتقال السيطرة الدائمة. ولهذا لم تكن قيمة الغارة في مقدار ما أخذته فقط، بل في صورتها العامة وفي أثرها على الثقة بالسلطة وعلى استعداد القبائل.
ولا يصح إدخال غارة بسر بن أبي أرطاة على الحجاز واليمن في هذا الملف، لأن لها سياقا جغرافيا وسياسيا وشخصيات ونتائج تحتاج إلى معالجة مستقلة، كما لا يصح خلط غارات معاو ية بغارات الخوارج، إذ اختلفت القيادة والهدف ومجال الحركة والرسالة السياسية. ويثبت هذا الملف الغارات العراقية وما اتصل بأطراف الفرات والطرق، و يترك العمليات الجنوبية والتمردات الخارجية لملفاتها.
وكان انتقال المبادرة إلى معاو ية بعد صفين والنهروان نتيجة اجتماع عوامل؛ منها تماسك الشام، وانقسام العراق، وإرهاق الجند بالحروب الداخلية، واحتفاظ معاو ية بقيادة مستقرة وموارد منتظمة. ولم يكن ذلك انتصارا نهائيا، لأن الغارات لا تساوي احتلالا دائما، لكنها أظهرت أن عليا صار يدافع عن أطراف واسعة بدل أن يفرض شروطه على الشام، وأن استنزافه العسكري انعكس على الجباية والأمن والولاء.