ولا يصح أن تختصر النهروان في صورة انتصار عسكري، لأن آثارها امتدت إلى علاقة الخليفة بجنده وإلى إمكان العودة إلى الجبهة الشامية وإلى الطريقة التي ستفهم بها جماعات العراق معنى الإيمان والذنب والسلطة. كما لا يصح أن تجعل كل ما روي عن الخوارج قبل المعركة من فعل جماعة واحدة، لأن الحركة كانت منقسمة، وبعض أفرادها رجعوا أو اعتزلوا أو لم يشاركوا في القتال.
وبذلك انتقل الخلاف بعد التحكيم من احتجاج حروراء إلى خروج مسلح قرب الكوفة، فحاول علي الحوار وعرض الأمان، ورجع بعض الخارجين وبقي آخرون، ثم وقعت النهروان سنة 38ه، فقتل عبد الله بن وهب الراسبي ومعظم من ثبت معه، وتفرق الناجون في أقاليم مختلفة. وتبقى أعداد الجيشين والقتلى وتفاصيل قتل عبد الله بن خباب والاصطفاف متفاوتة الثبوت، بينما يثبت أن النهروان أضعفت الخوارج عسكريا ولم تنه الحركة، وأنها أثرت في استنزاف خلافة علي ومهدت لتمردات لاحقة.
ولم تنته آثار صفين والنهروان عند ساحة القتال، لأن معاو ية أدرك أن إضعاف العراق لا يحتاج دائما إلى جيش كبير يواجه عليا مواجهة مباشرة، فاعتمد على غارات سر يعة تضرب الأطراف والطرق ثم تعود إلى الشام أو إلى قواعدها قبل أن يجتمع جيش عراقي كامل. وتختلف الروايات في هل كان هذا الأسلوب سياسة عامة منتظمة أو سلسلة عمليات متفرقة، لكن أثره المشترك كان إشاعة القلق وإظهار أن سلطة علي لا تستطيع حماية كل أطراف الدولة في وقت واحد.