معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 254 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 254

وتروي القصة المشهورة أن أبا موسى وعمرو اتفقا على خلع علي ومعاو ية، ثم تقدم أبو موسى فأعلن خلع الاثنين، وانفرد عمرو بإثبات معاو ية أو إبقاء الأمر له، فظهر أبو موسى مخدوعا وظهر عمرو مستعملا للحيلة. وقد ذاعت هذه القصة في كتب التاريخ والأدب والوعظ، لكنها وردت بطرق وألفاظ متعارضة، ولا تعرض بوصفها حقيقة قطعية بلا نقد الإسناد ومقارنة طبقات الرواية.

وتنبه الدراسة التار يخية إلى أن وجود التحكيم ووثيقته لا يثبت كل مشهد من مشاهد المناظرة، لأن الرواة قد أعادوا ترتيب الحوار ليشرحوا نتيجة سياسية لاحقة، كما أن صورة الرجل الفصيح الذي خدع أمام الجمهور تحمل بناء ء أدبيا واضحا. ولا يعني نقد القصة نفي كل اجتماع أو نفي اختلاف الحكمين، بل يعني الفصل بين أصل التحكيم وبين التفاصيل المسرودة عن الخاتم والخلع والإثبات.

وتختلف الرواية السنية في تقييم أبي موسى وعمرو، فتتحفظ بعض اتجاهاتها من قصة الخداع وترى أن الحكمين اجتهدا أو اختلفا في حدود التفو يض، بينما تبرز الرواية الشيعية القصة لتفسير إضعاف حق علي وإظهار المناورة الأمو ية، وتدرسها القراءة الأكاديمية ضمن تطور الذاكرة السياسية وصياغة الشرعية بعد صفين. ويبقى الاتفاق على أصل التحكيم وآثاره السياسية أوثق من التفاصيل الحوار ية التي لم تتفق عليها الطرق.

وكان قبول التحكيم قد ترك أثرا مباشرا في جيش علي، لأن جماعة من الذين ضغطوا عليه لقبوله عادوا فاعترضوا على معنى التحكيم أو على وثيقته، بينما رأى آخرون أن القبول كان تنفيذا