معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 252 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 252

ولما قبل الطرفان مبدأ التحكيم بدأت مرحلة جديدة تختلف عن الهدنة العسكر ية؛ إذ لم يعد السؤال كيف يستمر القتال أو يتوقف فحسب، بل صار المطلوب تحديد من يمثل كل فر يق، وما حدود المهمة، وما الذي يلتزم به الطرفان بعد صدور الرأي. وتذكر الروايات وثيقة أولى كتبت بعد رفع المصاحف، وتختلف في ألفاظها وفي أسماء الكاتبين والشهود وفي الوصف الذي أطلقته على علي ومعاو ية، ولذلك لا يعرض النص في صورة واحدة قطعية.

وكانت وثيقة التحكيم، بحسب صيغها المختلفة، تتصل بوقف القتال وإعطاء الحكمين مجالا للنظر في أمر الجماعة والبيعة والقصاص، كما تختلف في هل فوضت إليهما النظر في أصل الخلافة أو في الإصلاح بين الفر يقين أو في تطبيق كتاب الله وسنة نبيه. وتبين المقارنة بين الروايات أن بعض النسخ أطول من بعض، وأن ألفاظا مثل أمير المؤمنين أو أسماء الأطراف كانت موضع نزاع عند الكتابة، وهو ما يكشف أن الوثيقة نفسها كانت ساحة من ساحات الشرعية.

واختير أبو موسى الأشعري ممثلا عن علي في الرواية الغالبة، لكن الأخبار تختلف فيمن اقترحه وفي سبب اختياره. فبعضها ينسب الاختيار إلى القراء أو جماعة من أهل العراق، وبعضها يذكر أن عليا أو الأشتر أو ابن عباس لم يروا أبا موسى أصلح للمهمة، لأن له موقفا متحفظا من القتال ولأن نفوذه لم يكن مساويا لنفوذ عمرو بن العاص. ولا يثبت أن اعتراض علي أو موافقته ورد في صيغة واحدة، كما لا يساوي الاختيار الرسمي قدرة الحكم على التأثير في مجرى الاجتماع.