معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 251 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 251

وتعددت مواقف الروايات من المبادرة؛ فالرواية السنية قد تعرضها دعوة إلى التحكيم وحقن الدماء، مع الاعتراف بأن السياسة دخلت فيها، والرواية الشيعية تعرضها حيلة لوقف انتصار علي ثم ضغطا من جماعة خالفت رأي الإمام، بينما تدرسها القراءة الأكاديمية باعتبارها لحظة استخدم فيها الخطاب القرآني لإعادة توز يع القوة بين مركزين عسكر يين. ولا يثبت من هذه التقييمات وحدها ما كان في قلب معاو ية أو عمرو أو علي، بل يثبت ما ترتب على القرار.

وبعد قبول المبدأ بدأت صياغة أولية للهدنة أو التحكيم، وتذكر الأخبار كتبا وعهودا وأسماء من تولوا التفاوض، لكنها تختلف في ترتيبها وفي نصوصها وفي مقدار الاتفاق الذي تم قبل اختيار الحكمين. ولذلك ينتهي هذا الملف عند قبول الدعوة وبدء التفاوض، وتحال تفاصيل اختيار الحكمين ونص وثيقة التحكيم والخلاف على الألفاظ إلى مهمتين مستقلتين، لأن تلك المرحلة أنتجت أزمة جديدة داخل جيش علي.

وبذلك رفع أهل الشام المصاحف أو الصحف في نهاية قتال صفين، ودعوا إلى كتاب الله، فانقسم جيش علي بين من رأى استمرار الحسم ومن أصر على وقف القتال، وحذر علي من أن الكتاب لا ينطق بذاته، وتمسك الأشتر ومن معه باستمرار الضغط، ثم قبل الخليفة التحكيم تحت ضغط سياسي وعسكري تباينت الروايات في وصفه. وتبقى نية المبادرة وعدد المصاحف ونصوص الحوار متفاوتة الثبوت، بينما يثبت أن رفع المصاحف أوقف مسار الغلبة العسكر ية وفتح باب التحكيم وما ترتب عليه من انقسام.