معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 250 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 250

حاد من الخطب المتأخرة، لكن الخلاف بين أولو ية الحسم العسكري وأولو ية وقف القتال ثابت في الاتجاه العام.

وتداخل في الموقف الديني والسياسي؛ فالقراء الذين أصروا على التحكيم لم يروا أنفسهم بالضرورة أنصارا لمعاو ية، بل رأوا أن القتال بين المسلمين يجب أن يتوقف عند ظهور دعوة القرآن، بينما رأى علي وأنصاره أن قبول التحكيم بهذه الطريقة قد يمنح معاو ية شرعية لم يحصل عليها بالبيعة. ولذلك تحولت المسألة من قرار عسكري إلى نزاع على معنى الاحتكام إلى الكتاب ومن يملك تفسيره وتطبيقه.

وتذكر روايات أن جماعة من جيش علي هددت بالانقسام أو بقتاله إن لم يقبل وقف القتال، وتختلف في أسماء هذه الجماعة وفي مقدار التهديد وفي هل كان صادرا عن القراء أو عن قبائل متعبة من الحرب أو عن جماعة ستعرف لاحقا بالخوارج. ولا يصح إسقاط الاسم اللاحق على كل من ضغط في تلك اللحظة، لأن مواقف الأفراد والجماعات تطورت بعد قبول التحكيم وبعد ظهور نتائجه.

وكان علي بين خيارين قاسيين؛ أن يواصل القتال فيخاطر بانقسام جيشه وربما بقتاله من الداخل، أو يقبل الهدنة والتحكيم فيمنح خصمه فرصة سياسية بعد أن كان متقدما عسكريا بحسب روايات كثيرة. وتذكر الأخبار أنه لم يقبل بوصف القرار اختيارا حرا خاليا من الضغط، بل اضطر إلى مراعاة تماسك الجيش، بينما تفسر روايات أخرى قبوله باعتباره اجتهادا في حقن الدماء والاستجابة لكتاب الله.