معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 240 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 240

السير، لكن تماسك الشام الإداري والعسكري منح الجيش قدرة على التحرك بعيدا عن مركزه، كما جعل اختيار موقع المعسكر جزءا من الخطة لا نتيجة عابرة للرحلة.

وتبادلت القيادة رسائل ووفودا قبل الوصول إلى صفين، فكان علي يدعو إلى البيعة والجماعة، وكان معاو ية يربط الاعتراف بالقصاص من قتلة عثمان، وتذكر الروايات أسماء رسل ووسطاء متعددين وتختلف في نصوص الكتب وفي مدة إقامتهم. وترد في بعض الأخبار خطب طويلة ذات صياغة أدبية، بينما تكتفي أخبار أخرى بذكر مضمون مختصر، ولذلك يثبت السرد أصل التبادل والحجج المتقابلة دون القطع بكل لفظ.

وكانت الرسائل تعالج ثلاث مسائل متداخلة؛ أولاها من يملك حق تعيين الخليفة بعد مقتل عثمان، وثانيتها هل تسبق البيعة التحقيق والعقوبة أو العكس، وثالثتها هل يبقى الوالي الذي يرفض البيعة صاحب سلطة في إقليمه أم يعد خارجا على الجماعة. ولم تكن هذه الأسئلة نظر ية، لأن جواب كل طرف كان يحدد حركة الجند ومصير المال والطرق، ولذلك بقيت المفاوضة جزءا من الاستعداد العسكري نفسه.

وتحرك الجيشان نحو الفرات، وتذكر الروايات أن صفين كانت في ناحية من الضفة الغربية للنهر قرب الرقة، وأن موقعها كان مناسبا لنزول أعداد كبيرة وتأمين الماء ومراقبة طرق الشام والعراق. وتختلف الدراسات والروايات في تحديد الموضع الدقيق وفي أسماء المنازل السابقة عليه، ولذلك يصلح الموضع لخر يطة سياقية تبين الكوفة وطرق الجزيرة والفرات والرقة ودمشق، دون تحميل الخر يطة أكثر مما تثبته المصادر.