معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 238 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 238

وكانت موارد الشام وإدارتها تساعدان على الاستقلال العملي، فقد اجتمعت فيها جباية الولايات، وتنظيم الجند، وطرق الساحل والداخل، وخبرة التعامل مع البيزنطيين، وكانت دمشق قريبة من خطوط الحركة نحو الجزيرة وفلسطين. ولذلك أمكن لمعاو ية أن يحشد و يخاطب ويمنع تنفيذ أمر علي، بينما احتاج علي بعد انتقاله إلى الكوفة إلى إعادة تنظيم جيشه وتأمين العراق قبل التوجه إلى الشام.

وتربط الرواية السنية الموقف الشامي باجتهاد في طلب القصاص، مع القول إن تأخير البيعة أو القتال كان خطأ في التقدير، بينما تراه الرواية الشيعية تمردا على الإمام وتوظيفا لدم عثمان في تثبيت سلطة إقليمية، وتدرسه القراءة الأكاديمية بوصفه نشوء مركز قوة ينازع مركز الكوفة. ولا يلزم من عرض هذه التقييمات اعتماد أحدها دون نقد، لأن لكل رواية سياقها المذهبي والسياسي ومصادرها.

وكان انتقال علي إلى الكوفة قد جعل المواجهة مع الشام أقرب من الناحية العسكر ية، لكنه لم يحسمها، لأن عليا احتاج إلى تثبيت حكمه في العراق، وإلى معرفة مقدار استعداد الكوفيين، وإلى استكمال الاتصالات قبل نقل الجيش. أما الشام فاستفادت من تماسكها الإداري ومن وضوح خطابها العلني، وإن بقيت مسألة القصاص نفسها محل نزاع في تعيين القتلة وفي سلطة من يحقق معهم.

وبذلك ثبت أن الموقف الشامي من بيعة علي قام على ثلاثة عناصر متداخلة؛ أولها قوة معاو ية وإدارته الممتدة من عهد عمر وعثمان، وثانيها ذاكرة مقتل عثمان ورموزه وقميصه ودمه،