معالم الهدىمكتبة عبد الرحمن الشورى
تاريخ الأمة الإسلامية · الصفحة 237 من 897

تاريخ الأمة الإسلامية — الصفحة 237

المتهمين في جيش علي أو قرب سلطته يمنع الثقة في البيعة، وأن تسليم القتلة أو الاقتصاص منهم ينبغي أن يسبق الاعتراف السياسي.

وتذكر الأخبار أن عليا أرسل جرير بن عبد الله البجلي أو غيره إلى معاو ية، وأن جرير حمل كتاب البيعة ودعا إلى الاجتماع، ثم أقام في دمشق مدة يستشير معاو ية أهل الشام أو يتلقى جوابا متأخرا. وتختلف الروايات في نص الكتاب وفي مقدار ما جرى من الحوار وفي دور عمرو بن العاص وأعيان الشام، كما تختلف في هل كانت الوساطة تهدف إلى تسو ية سر يعة أو إلى اختبار موقف الشام قبل الاستعداد العسكري.

وكانت وفادة جرير محاولة لإبقاء الخلاف في نطاق الرسائل والبيعة، لكنها كشفت أن المسألة لم تعد خلافا إداريا بين خليفة ووال، بل صراعا على تعر يف الشرعية ومصدر القرار. فإذا أذعن معاو ية دخلت الشام في طاعة علي، وإذا رفض بقي الإقليم بجيشه وموارده مستقلا عن الخليفة، ولذلك كان تأخير الجواب نفسه ذا أثر سياسي، حتى قبل وقوع أي مواجهة عسكر ية.

ولم يكن أهل الشام كتلة واحدة بالضرورة، إذ تذكر الأخبار وجود قادة ووجوه وجند لهم مواقف متفاوتة، لكن انتظام الإدارة وقوة القيادة جعلا الرأي الغالب قابلا للتعبئة حول معاو ية. وتختلف الروايات في أسماء من ناقشه أو عارضه وفي درجة رضا الناس، كما تختلف في مقدار ما كان الخطاب دينيا أو قبليا أو مصلحيا، فلا يصح إثبات إجماع الشام على كل تفصيل، ولا نفي وجود تأييد واسع لمعاو ية.