وبذلك انتقل علي بعد الجمل من المدينة إلى الكوفة، في تاريخ ترو يه بعض المصادر في رجب سنة 36ه وتختلف في تفاصيله، فجمع القرار بين حفظ حرمة الحجاز، والقرب من الجند والمال، ومواجهة الشام، والاستناد إلى مصر عسكري كبير. و يفصل السرد بين رحلة الانتقال واستقبال الكوفيين وبين التطور اللاحق للكوفة، كما يثبت أن نقل مقر الحكم أعاد توز يع الثقل السياسي من المدينة إلى أمصار العراق ومهد للمرحلة التالية من الصراع مع الشام.
وكان موقف الشام من بيعة علي مختلفا عن موقف المدينة والكوفة والبصرة، لأن معاو ية بن أبي سفيان بقي واليا قويا فيها منذ عهد عمر ثم عثمان، ولأن الإدارة والجند والموارد كانت قد انتظمت حول مركز دمشق، فلم يكن انتقال السلطة إلى علي مصحوبا بانتقال تلقائي للقيادة الشامية. وتذكر الروايات أن معاو ية لم يبايع فورا، وربط موقفه بالقصاص من قتلة عثمان، بينما تختلف في مقدار ما كان هذا الموقف رأيا شخصيا وما كان تعبئة عامة لأهل الشام.
وكانت الشام قد عاشت سنوات في ظل إدارة واحدة وجيش متماسك وطرق اتصال منتظمة، كما كان جندها مرتبطين بقيادة معاو ية وبذاكرة الفتوحات وبمصالح محلية نشأت مع استقرار الولاية. ولهذا لم يكن الشامي الذي يطالب بدم عثمان يكرر بالضرورة خطاب معاو ية وحده، بل كان يتكلم من داخل إقليم صورت له حادثة القتل بوصفها انهيارا لحرمة الخلافة، ثم ربطت المطالبة بالقصاص بضرورة عدم الاعتراف بمن لم يعاقب المتهمين.
وتعرض الروايات قميص عثمان ودمه والمنبر والصور الرمزية التي رفعت في الشام بوصفها عناصر في الحشد السياسي، وتختلف في كيفية إظهارها وفي مكان حفظها ومن أمر بعرضها،